لحجز مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
 

آخر 14 مشاركات
أبها عاصمة الجراكل العربية !! استفسار عن جراكل الممشى؟؟؟
آخر أخبار و مناشط جمعية (شكر)لحفظ النعمة متجدد مشروع ارصفة مدينة ابها
الواسطة في شؤون معليمن عسير يكفي مدير تعليم عسير
استفسار وفقكم الله رحم الله المربي الفاضل الاستاذ الوالد أحمد موسى...
جمعية البر بأبها عطاء وإحسان استقالة رئيس مجلس ابها البلدي بن عزيز
المواقف الجديده ذات الرسوم الماليه ابن بخيت تبرع بنصف كبده لخاله
صفحة خاصة عن سيرة وقصائد الشاعر الكبير : عبدالله... ياهلاله ياهلاله.................قصة جميلة من...
 
العودة   منتديات عسير > ~*¤ô§ô منتديات عسير الرئيسيةô§ô¤*~ > عسير التاريخ
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 
 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم (س 09:14 مساءً) 28/04/2009, رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نصر
عضو ماسي

الصورة الرمزية نصر




  

 

نصر غير متواجد حالياً


هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

أعرض لكم فيما يلي كتابا مظللا، يقلب الحقائق، وينتهج التجني، ضد قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز، الذين ساهموا في حركة التنوير الكبرى التي أحدثها تحالف الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب وبقية قادة الأقاليم، فاخرجت الجزيرة من ظلام قرون من الجهل الذي غطى الغالبية الساحقة من أجزاءها.
ولأن الكتاب طويل، فسوف أحدد هجوم صاحب هذا الكتاب على القادة والعلماء في منطقة عسير باللون الأحمر، لمن ليس لديه الوقت لقراءته كاملا.

وإذا كان لهذا المؤلف التركي أسبابه في مهاجمة السلفية (الوهابية) ورموزها، فما هو مبرر بعض أبنائنا الذي يهاجمونها حاليا ليلا ونهارا، رغم أنهم يعلمون أن ما صاحبها من استخدام القوة، هو ديدن الدول والقبائل منذ فجر التاريخ!!


تاريخ الوهابيين
تأليف
أيوب صبري
ترجمه من التركية
وعلق عليه
د.مسعد بن سويلم الشامان
الأستاذ المشارك بكلية الآداب
جامعة الملك سعود


تاريخ الوهابيين

تأليف
أيوب صبري
إسطنبول 1296هـ

طبع بمطبعة قرق أنبار

سلسلة المكتبة الجديدة [يكي كتبخانه]
نشر دار ترجمان حقيقت



مقدمة
//2//لقد أردت أن أكتب تاريخاً موجزاً خاصاً باسم (تاريخ الوهابيين)، يستعرض تاريخ ظهور الوهابيين، الذين استولوا على منطقة الحجاز المقدسة في عام 1222هـ، ويبين كيف انتهوا وزالوا. إلا أن هذه الفئة الحقيرة تمثل مذهباً للضلالة، قام على أنقاض مذهب القرامطة وبقايا عقائدهم، ولهذا رأيت أن الحاجة تستدعي تقديم معلومات أولية عن حوادث القرامطة العجيبة، وخلاصة عن وضع الدولة العباسية التي كانت تحكم البلاد الإسلامية وقت ظهور القرامطة،//3//وتقديم نبذة عن كيفية ظهور هذه الفرقة الباغية وانتشارها، وماهية مذهبهم وعقائدهم.
كانت الدولة العباسية عند ظهور نحلة القرامطة قد دخلت في طور الانحطاط والانهيار، فكانت شؤون الناس والرعية في يد رجال تغلبوا على السلطة وشغلوا منصب "أمير الأمراء"، وقام وكل والٍ من الولاة بالاستقلال عن الدولة، وارتكبوا المظالم، وساموا الرعية العسف والجور والغدر، وضيقوا عليهم
سواء كان ذلك في بغداد، مركز الخلافة، أو في ولايات الأطراف.
في تلك الأثناء، ظهر في عام 289هـ رجل ضال يدعى يحيى بن زكرويه،//4// ونزل ضيفاً على أحد أعيان بلدة القطيف اسمه علي بن يعلى. وأفهمه، بأسلوب شيطاني، أنه مرسل من الإمام محمد المهدي، وأنه زمن ظهوره قد اقترب. وأخذ يحيى بن زكرويه بهذه الحيلة الماكرة يدعو أهالي القطيف سراً للإيمان بمعتقده. واستطاع إقناع قسماً ممن لا عقل لهم ولا تمييز من سكان القطيف والبحرين، وخدعهم بلتبيساته، حتى أدخل في زمرته أحد رؤساء القبائل هناك، ويدعى أبا سعيد الحسين بن بهرام الجنابي. وبعد ذلك اختفى ولم يعثر له على أثر.
وطالت مدة غياب يحيى بن زكرويه، ولكنه عاد مرة ثانية، //5//وأظهر للناس رسالة مزورة ادعى أنها بخط المهدي، كلفه فيها بدعوة الناس إلى مذهبه، وأن يجمع من كل فرد من أتباعه ستة دراهم وأربعة دوانق لتسلم للإمام المهدي. وبفضل هذه الحيلة جمع أموالاً طائلة لا حصر لها، ثم اختفى عن الوجود ثانية.
ثم ظهر للمرة الثالثة، وأظهر للناس هذه المرة أيضاً خطابًا آخر مزوّرًا يضم إرادة وطلب من الإمام المهدي بجمع خُمُس أموال تابعيه وأنصاره، ليسلمها للإمام المهدي. وفعلاً نجح في جمع أنواع من المال وألوان من الأشياء الثمينة مما لا يدخل تحت الحصر والعدّ. وفي تلك الأثناء، نزل ذات ليلة، ضيفًا على أبي سعيد الجنابي في بيته التعيس، فأكرمه غاية الكرم،//6// حتى أنه قدّم له زوجته ليضاجعها، وأبان عن ديوثيته وإلحاده ووضاعته.

ولما شاع خبر احترام أبي سعيد الزائد ليحيى بن ذكرويه، ورعايته له، وإظهاره الإباحية لدرجة أنه قدّم له زوجته التي في عصمته، بدأ الناس تبادلون القيل والقال فيما بينهم؛ فقبضت الحكومة على يحيى بن زكرويه، وأهانته ونكلت به. وبعد مدة من الزمن نفته إلى خارج حدود البحرين. ولكن ذلك الكلب الملحد وصل إلى ديار قوم من بني كلاب، واجتهد في نشر مذهبه الباطل بينهم، وبمعاونة قبائل بني كلاب تمكن من جمع قوة كبيرة، واستولى بها على دمشق وأطرافها، وسفك فيها دماء المسلمين،//7// وهتك أعراض نسائهم، وارتكب أنواعًا من المفاسد والمظالم ارتقى بها قمة البغي والكفر.
ولقد انتشر الغوغاء من أتباعه في أنحاء الشام كأسراب الجراد، وكانت قواته تتغلب أحياناً على القوات المرسلة لمحاربته، وفي أحيان كانت تلحق به وبقواته الهزيمة. ولقد انقسم القرامطة بعد ذلك إلى عدد من الفرق، وتزايد عددهم بمرور الوقت، وأعملوا السيف وسفكوا الدماء في كل أرض وطأتها أقدامهم. حتى أنهم هجموا على قافلة للحجاج، وقتلوهم عن بكرة أبيهم ولم ينج منهم أحدٌ، حتى بلغ عدد القتلى عشرين ألفاً من الأنفس البريئة.
أما الفاسق أبو سعيد، فقد تيقن أنه سيقع في قبضة الدولة، ولهذا جمع كلاب القرامطة الذين التفوا حوله، وهاجم //8//بهم بلدة القطيف، وانتزعها من يد العباسيين، وقتل من لم يدخل في مذهبه الإلحادي الإباحي من أهل التوحيد والإيمان، وأبادهم جميعاً. عقب ذلك، نهب البحرين وما جاورها من البلاد، وألحق بأهل الإيمان إهانات يعجز اللسان عن وصفها، ثم تجرأ واستولى على البصرة وما حولها، وأصبح والياً على الغوغاء الذين دخلوا في مذهبه الرافضي الإلحادي، وبذلك وسع من دائرة الإباحة والتفسخ والفساد والزندقة.
ولقد جرت هذه الحوادث الأليمة في عصر الخليفة العباسي المقتدر بالله، الذي أراد بخياله المحال أن يشتت فرقة أبي سعيد هذه ويستأصلها، فساق عليهم جيشاً يقوده عباس بن عمر الغنوي. إلا أن أبا سعيد تمكن من هزيمة الغنوي، وقتل سبعمائة رجل من جنوده، وترك عباس الغنوي ولم يقتله. وبعد ذلك،//9// استدعى أبو سعيد عباساً، وهو يقول له:" اعلم يا عباس إننا، نحن القرامطة، رجال نعيش في القفار، ونرتحل في الفيافي، ونقنع بالقليل من الزاد والمتاع. ولو جمعت جنود الدولة العباسية وسقتهم علينا، فأقسم بالله لأغلبنهم جميعاً في أول حملة عليهم، فرجالي أشداء يتحملون كل ما ينزل بهم، وآمنوا بأن الراحة والدعة والتنعم بالرفاهية حرام. أما جند بغداد يقضون أيامهم ولياليهم في الراحة ورغد العيش وتعودوا على لذيذ المأكل. ويعيشون في ظل نعم الخليفة، فلهذا لا طاقة لهم بالحرب. وإذا ما فكر جنودك في ترك النعيم والدعة التي هم فيها، وأرادوا محاربتنا، وغامروا بقطع الصحراء نحونا، لماتوا //10//كما يموت السمك إذا خرج من الماء. وإن حالة الخور والضعف التي اعترت جنودك الذين سقتهم علينا في هذه المرة، وما كانوا عليه من الهوان في لحظة خروجهم من بغداد، وهلاكهم في أول قتال، لدليل كافٍ لإثبات ما أقول. وإذا ما أرسلت بقوات أكثر منهم قوة وعدداً، والتقوا بجنودي الذي جهزتهم للحرب، فسوف ننسحب ونفر من أمامهم، ونستدرجهم، حتى إذا ما أنهكوا وبلغ بهم التعب مبلغه حشرناهم في مكان ضيق، وقطعنا عليهم خط الرجعة، ثم أفنيناهم عن بكرة أبيهم. ولذا فمن الأجدى أن تترك محاربتي، وتتخلى عن الزج بالجنود إلى المهالك. ولقد استبقيتك ولم أقتلك لكي تستوعب هذه كلماتي هذه وتعيها جيداً، فانقلها وتحدث بها أمام الخليفة دون أن تنقص منها حرفاً". ثم فك أسره، //11//وتركه يعود.
وبعد أن عاد عباس بن عمر الغنوي إلى بغداد، أبلغ الخليفة المقتدر بالله بتفاصيل ما جرى، ونقل له كلام أبي سعيد. فداخل الخليفة خوف شديد وذعر حتى أنه لم يطق ذكر اسم القرامطة على لسانه.
ولكنه استطاع بعد عدة سنوات، أن يشتت شمل القرامطة الذين ظهروا في الكوفة، وحرضوا الأهالي على الثورة والفساد والإخلال بالأمن، وتمكنت القوات التي أرسلت من بغداد من أن تذهب ريحهم.
وقام أبو طاهر، وهو ابن أبي سعيد، بتزعم أعمال الفساد، فأغار على قوافل الحجيج ونهبها وسبى النساء. وأساء معاملة الرجال والنساء وأهانهم بوحشية وشناعة.//12// ولما أرسلت عليه الحملات العسكرية، هزمها واحدة تلو الأخرى، وأبادها. ولهذا، أرسل الخليفة المقتدر يوسف بن أبي الساج للمرة الثانية على رأس قوة عسكرية قوامها ثلاثون ألف رجل.
ولما اقترب يوسف بن أبي الساج من القرامطة، أرسل إلى أبي طاهر إليه رسولاً يبين له ضخامة القوة العسكرية التي جاء على رأسها، ويحذره، ويدعوه إلى الدخول في طاعة الخليفة. ولكن أبا طاهر رد عليه بقوله:" قل ليوسف بن أبي الساج، إني سأقبض عليه في الغد، وسأربطه في حبل واحد مع هذا الكلب". وقال ذلك وهو يشير إلى كلب قد ربط إلى وتد الخيمة، وطرد رسول ابن أبي الساج.
وبالفعل، ففي الغد تمكن أبو طاهر من أسر يوسف بن أبي الساج وأتباعه، وأوثقهم وكبلهم بالحديد.
//13//وبعد أن كسب أبو طاهر هذه المعركة، عبر بثلاثمائة رجل من القرامطة نهر الفرات، واستولى على بلدة الأنبار القريبة من عاصمة الخلافة. وأوقع الهزيمة بحملتين عسكريتين أرسلتا لقتاله، ثم أعدم يوسف ورفاقه الذين كانوا في الأسر، فأدخل الرعب والذعر في قلوب الناس. وفرض خراجاً سنوياً على أهالي الأنبار قدره دينار ذهبي عن كل نفس. وعقب ذلك لحق بشروره أرض الحجاز المباركة، فهاجم مكة المكرمة، ووطأ بقدمه النجسة المنحوسة أرض المسجد الحرام. وقتل بسيف الغدر في داخل المسجد ثلاثين ألف من الحجاج الأبرياء معصومي الدماء، كان أغلبهم بملابس الإحرام، وقليل منهم كان داخل الكعبة المشفة.//14//وأحرق بعض المباني بمكة المكرمة وأحالها إلى خراب، ثم قلع الحجر الأسود من مكانه ليحمله إلى بلدة هجر، وهي مسقط رأسه.
وكان مقصد أبي طاهر من نزع الحجر الأسود من ركن الكعبة المشرفة ونقله إلى هجر، هو تحويل طريق الحج إلى بلدته تلك، وأن يلحق الكساد بسوق الكعبة المشرفة المليء بالفيض والبركة. ولهذا الغرض أقام بيتاً ضراراً في هجر أطلق عليه اسم "دار الهجرة". ولقد أبقى الحجر الأسود هناك مدة تقارب اثنتين وعشرين سنة.
وفي اليوم الذي ارتكب فيه المجازر في محيط المسجد الحرام، قلع بيده النجسة الصفائح الذهيبة التي تزين باب الكعبة المشرفة،//15// ونزع كسوة الكعبة واستولى على الهدايا والأشياء الثمينة التي كانت محفوظة بمخزن الكعبة، ووزعها على جنوده.
ولما أراد أن يقلع الميزاب الذهبي من على الكعبة المشرفة، لم يفلح، فقد سقط على الأرض رجاله الملحدين الذين أصعدهم إلى سطحها لقلعه، وهلكوا. وحمل الحجر الأسود إلى ناحية هجر، وهو يزعم أنه وصل إلى غايته، فكتب إلى الخليفة الفاطمي عبيدالله المهدي يطلعه على ما قام به، وأنه يريد أن يقرأ الخطبة باسمه. ولكن الخليفة الفاطمي رد عليه قائلاً: "كم أنت رجل عجيب! لقد تجرأت على ارتكاب أنواع الجرائم في بلد الله الأمين، وتجرأت على أخذ الحجر الأسود معك إلى هجر، وهتكت ستار حرمة الكعبة المعززة والمكرّمة دوماً، في الجاهلية وفي الإسلام،//16// ومع هذا تريد أن تقرأ الخطبة باسمي! لعنك الله، ولعن أعوانك أجمعين"
وبعدما تلقى أبو طاهر هذا الجواب من الخليفة الفاطمي، خرج من طاعته.
ولقد اختلف المؤرخون في تحديد الاعتقادات الباطلة لهؤلاء المارقين، فقال فريق منهم: إن أول ضال من القرامطة قد ظهر مدعياً النبوة، وزعم أن كتابه الذي تفتقت عنه قريحته الخبيثة هو من الكتب السماوية المنزلة، ودفع الناس للإيمان بذلك. وقال فريق آخر من المؤرخين إن//17// الشخص الملعون الذي ظهر قبل القرامطة، قد ادعى أنه من أئمة الفرقة الإسماعيلية، وأنه مكلف من قبل الإمام المهدي. وأوهم الناس بذلك للتصديق بدعواه.
وإذا أخذنا بأي من هاتين الروايتين، يتبين لنا أن المذهب الفاسد الذي عمل القرامطة على نشره، يقوم على أسس من الكفر والضلال والإلحاد. ونحن نرى أن الرواية الثانية أقوى وأرجح.

معتقدات القرامطة
وعلى الرغم من أن ملاحدة القرامطة الخبثاء يدعون تصديقهم بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، رضي الله عنهم،//18// ويعدون أنفسهم في الظاهر من الطائفة الإسماعيلية، إلا أنهم في الباطن يستحلون المحرمات التي حرمها الشرع الشريف، ولا يرون حرمة لدماء المسلمين، ويكفرون أهل التوحيد ممن ليسوا على مذهبهم الباطل.
وخلاصة معتقدات مذهبهم الباطل هذا هي أن الصلوات المفروضة، تعني إطاعة الإمام المعصوم، وأداء زكاة المال يكون بدفع خمس المال للإمام المعصوم، والصوم هو إخفاء أسرار مذهبهم، والزنا عندهم هو إفشاء أسرار المذهب وإعلانها. بالإضافة إلى ذلك، فيدعون أنهم يتبعون الملائكة، ويخالفون الشيطان. والذي لاشك فيه أنهم يعترفون بالكفر وبالإلحاد، واللادينية.//19// ومن جملة اعتقاداتهم الفاسدة قولهم إن شرب الخمر حلال. ويقولون بعدم ضرورة الغسل من الجنابة، وإنقاص أيام الصوم إلى يومين في السنة، وإن فريضة الحج تكون إلى بيت المقدس، وإن نص الأذان الشرعي هو:" أشهد أن محمد بن الحنفية رسول الله".
وكذلك اختلف المؤرخون في سبب إطلاق مسمى القرامطة عليهم، ففي بعض الروايات ذكر أن أبا سعيد الجنابي الذي أضل القرامطة وساقهم إلى طريق الرفض والإلحاد، كان اسمه "قرمط". وكان هذا الزنديق قصير القامة، قزماً، وكان يمشى مهرولاً، بخطوات قصيرة متقاربة، ولهذا أطلق على من اقتفوا أثره، أي من اتبعوا ما زعمه أبو سعيد قرمط من إلحاد ورفض وزندقة، "قرامطة".
//20//وجاء في رواية أخرى أن الزنديق الكريه المنظر الذي تزّعم مذهب القرامطة، كان يطوف بالبلاد ويتجول فيها قريةً قرية لنشر مذهبه الفاسد الإلحادي. ومرض ذات مرة في إحدى القرى التابعة للكوفة، وأقام بمنزل أحد سكانها يسمى "كرميتة" أي "أحمر العينين". ولما تحسنت صحته بعد مدة، أصبح يسمى باسم صاحب ذلك البيت، ويعرف بشيخ الكرامتة. وبعد ذلك، تعرّبت كلمة كرمتية، وخففت وصارت قرمطة.
وهناك رواية أخرى حول هذه التسمية، تقول إن زنديقاً من كبار القرامطة كان قد اشتهر بخبرته في كتابه الخط المقرمط ، وأطلق على جماعته القرامطة،//21// نسبة إلى مهنة ذلك الرجل.
وخلاصة الكلام، أن شرارة نار فساد القرامطة التي انطلقت في سنة 261هـ، ونشرت الظلم والجور في كل الأنحاء، قد انطفأت تماماً بحد سيف الشريعة في عام 373هـ أو في سنة 384هـ.
ولكن هذه الشرارة في أول التهابها قد لمعت فجأة، ولفت كل الأطراف وسرت نارها في ممالك الإسلام وأحرقتها كل الهشيم.
ولم تتح الاضطرابات الداخلية في الدولة العباسية الفرصة لأركان الدولة أن يتخذوا التدابير الاحتياطية اللازمة لقمع مثل هذه الحوادث الخطيرة. ولهذا امتهنت فرق القرامطة الغارة على الممالك ونهب الأموال واغتصبت الأعراض، فازدادت قوتهم وتمادوا في مظالهم. فهاجموا الكوفة سنة 278هـ، وسنة 313هـ، والبحرين سنة 286هـ، والشام سنة 289هـ، وسنة 293هـ، ودمشق سنة 290هـ،//22// وسنة 360هـ، والبصرة سنة 307هـ، والأنبار سنة 315هـ. والرحبة والرقة وهيت في سنة 316هـ، ومكة المكرمة سنة 317هـ. ولقد أعملوا القتل في تلك البلاد، واخلوا بالأمن وعاثوا فيها فساداً. وبالإضافة إلى ذلك، فقد هاجموا قوافل حجاج العراق في أعوام 294هـ، 312هـ، 361هـ، وقتلوهم عن بكرة أبيهم، ولقد بلغوا غاية الفساد بقطعهم طريق الحج تماماً في سنوات 356هـ، 363هـ و384هـ، وساموا الناس العذاب وأذاقوهم ألوان الشقاء، ومنعوهم من إيفاء فريضة الحج. لعنهم الله.
وهكذا، قدمنا خلاصة الخلاصة من المعلومات عن فرقة القرامطة التي ظهرت قبل ظهور الوهابيين بحوالي 927 سنة، وظلت تنشر شرورها وفسقها وفجورها في بلاد الإسلام مدة 123 سنة.//23//ولا حاجة بنا لاستعراض المعلومات التاريخية عن كيفية بقاء مذهب القرامطة وانتشاره خلال 804 سنة، وهي الفترة الواقعة بين تاريخ زوال هذه الطائفة، وبين تاريخ ظهور محمد بن عبدالوهاب. ذلك أن ديانة بعض الجماعات من عشائر العربان القاطنة في بوادي نجد واليمن والحجاز ومذاهبهم هي اعتقادات باطلة تعود إلى زمن القرامطة. والفقرة الخاصة التالية تدعو الإنسان للاقتناع بأن هؤلاء العربان الذين يعتنقون مثل تلك الأفكار، هم من بقايا القرامطة ومن أنقاضهم.
//24// حكاية خاصة غريبة

كان الشريف محمد بن عون، والد أمير مكة الحالي الشريف حسين باشا، متوجهاً ذات يوم إلى الطائف، فصادف عند سفح جبل كرا رجلاً هندياً رقيق الحال، ذا لحية بيضاء. وكان هذا الهندي المسكين غارقاً في دمائه، وكان يصرخ ويشتكي ويقول:" لقد فعل اللصوص هذا بي". فأمر الشريف محمد بن عون بجلب شيوخ القرى المجاورة، وسألهم عمن ارتكب مثل هذا الجرم، فبرز أحدهم، وقال:"سيدي الشريف، لم يكن هذا الرجل قد دخل الإسلام بعد، فقمت بختانه وأدخلته في الإسلام. وحسب اعتقادنا فإن من لم يسلخ جلد ذكره وعانته حتى سرته،//25// لايعدّ مسلماً. فأنا ختنت هذا الرجل حسب عاداتنا وأصولنا. وإلا، فلم أُلحق به أي ظلم، ولم يقع عليه مني أي اعتداء، ولم أسرق نقوده أو ماله وأشياءه". وبعض الجماعات من قبائل العربان يعدون الختان المشهور على السنة النبوية عيباً، وذلك حسب معتقدهم ومذهبهم. وأما الختان الذي يعده أتباع مذهبهم مقبولاً ديناً وشرعاً، فهو الختان حسب عاداتهم المشينة، التي لاتتوافق مع الشريعة، والمنافية للإنسانية، وهي طريقة خطيرة للختان ومهلكة. ومن لم يختن بطريقتهم وعادتهم لا تعده النساء رجلاً كامل الرجولة، ولا تقبل به الفتيات زوجاً.
والختان حسب تقاليد هذه الجماعات عبارة عن سلخ كامل الجلد عن الذكر والعانة،//26// ويقيمون لذلك احتفالات عجيبة. ولأن هذا النوع من عمليات الختان لايمكن أن يتحمله من كان عمره أقل من خمس عشرة سنة، فيقوم والد الفتى الذي يبلغ من العمر الخامسة عشرة أو العشرين، بإعلان رغبته في ختان ابنه، ويحدد اليوم الذي ستجري فيه عملية الختان. وهذا الإعلان يعد دعوة للناس لحضور هذه المناسبة. ولهذا، يأتي أقارب الفتى ومعارفه وجيرانه وأهالي القرى المجاورة، ويهدي كل منهم رأساً أو رأسين، وأحياناً ثلاث أو أربع رؤوس من الغنم أو البقر أو الإبل، كل حسب قدرته المادية وظروفه. ويحضر كل مدعو وقد اصطحب معه هديته إلى قرية الشاب//27// قبل الاحتفال بيوم أو يومين. ومن العادات المتبعة أن يقدم المدعوون من أهالي القرى المجاورة إلى مكان الاحتفال في شكل جماعي، تصاحبهم الأهازيج والطبول. ولهذا كان يتجمع أهالي ثلاث أو خمس قرى مع بعضهم البعض، فإذا ما اقتربوا من قرية الاحتفال بدأوا في قراءة القصائد والأشعار التي تمتدح صاحب الحفل، ويرددونها بشكل جماعي، ثم يتقدم منهم عدة أشخاص ويأخذون في اللعب بالبنادق أوالخناجر حتى يخرج أهل القرية التي بها الحفل جماعة لاستقبال ضيوفهم القادمين، ومن ثمّ يطلقون أمامهم طلقات البنادق ويقرأون القصائد، حتى يصلون إلى المكان المحدد سلفاً للاحتفال.
ومن التقاليد المرعية أن يعطي صاحب الحفل لكل عشرة من المدعوين//28// خروفاً و قدراً وطستاً وبعض الأرز، فعند وصول الضيوف المدعوين تحضر هذه الأشياء، وتسلم لهم، ثم يترك الضيوف وحالهم. ولايتوجه هؤلاء الضيوف إلى البيوت والمنازل التي يقيمون بها، بل إلى ينطلقون إلى أحد الأودية في خارج القرية، أو إلى سفح جبل من الجبال، حيث يذبحون الخروف الذي أعطي لهم من قبل صاحب الحفل، ويطبخونه في القدر، ثم ينضدونه مسلوقاً، ويقسمونه على الأشخاص العشرة، ثم يأكلونه. وبعد ذلك يضعون الأرز في مرق اللحم، ويطهونه ثم يأكلونه. بعد ذلك، يقوم جماعة من كل قرية بإيقاد نار كبيرة في الموقع المحدد لكل منهم، وينقسمون حولها إلى فرقتين، ويبدأون تبادل الأشعار والرد والمحاورة وهم وقوف، [يبدأون العرضة أو السامر]،//29//ويدوم السامر حتى الصباح، وتقوم كل فرقة من الفرقتين بمدح الفرقة الأخرى أو ذمها والقدح فيها. وعند السحر، تطلق الطلقات من البنادق، ويتجمعون في مكان فسيح ينتظرون وصول الفتى الذي ستجرى له عملية الختان.
ويأتي الفتى إلى ذلك المكان في الساعة المحددة، أمامه الرجال من أقاربه، وخلفه النساء، ويقف حراً وبكل فخر، ويسحب خنجره، الذي يسمى الجنبية، ويتقدم إلى من سيقوم بختانه. ويبدأ الذي يقوم بالختان في سلخ جلد ذكر الفتى، مستخدماً سكيناً صغيرة للغاية، ويبدأ من المنطقة التي ينتهي عندها الشعر الموجود تحت السرة، ويستمر حتى مقعده. ويقوم بذلك في ظرف دقيقتين.
//30//وتجرى حفلات الختان هذه عادة في أيام العيد. وإذا حدث أن بكى الفتى ولو قليلاً أثناء الختان، أو تأوه أو أظهر التأفف، عدّ ذلك عيباً، ويسقط اعتباره بين رجال القبيلة، وينظر إليه على أنه امرأة.
ولكنه إذا وصل إلى بيته بعد عملية الختان يمكنه أن يبكي ويصرخ كما يشاء، ولا يعد ذلك عيباً.
وبانتهاء عملية الختان، يتقدم الفتى عدة خطوات وهو يعرض شجاعته ويتباهى بقوته، فيقول:" أنا فلان ابن فلان، شجاع، وجسور، وبطل". وينطلق مهرولاً مائة خطوة مثبتاً رجولته وشجاعته وبطولته.
وبعد ذلك، يتقدم من شاركوا في الاحتفال أمام الفتى،//31// وهم يطلقون النار من بنادقهم، وتضرب النساء بالدفوف، ويغنين بالأغاني والأهازيج، ويطوفون بالفتى حول القرية، حتى يصلونه أخيراً إلى داره، وينومونه في منامه. وبعد ذلك يتناول المدعون طعام العجين الذي أعده صاحب الحفل، ثم يتفرق الجمع، ويعود كل إلى داره. وطعام العجين هذا هو عبارة عن دقيق خلط بالماء، ثم خبز في النار، وصُبّ عليه السمن الصافي.
ومن عاداتهم أيضاً أنه عندما يرقد الفتى في سريره، ينثر أقاربه حول رأسه حفنة من الزبيب، الذي يجمعه الأطفال الصغار ويفرحون به. وكان بعض من يختنون بهذه الطريقة يموتون من جراء هذه العملية، ولكن من بقي منهم على قيد الحياة يمكن أن يتعافى وينهض على قدميه بعد مرور ثلاثة أو أربعة أشهر.
//32// ظهور الوهابية

يطلق اسم الوهابية على تلك الفرقة الباغية والضالة، التي حطت على الحرم المقدس للمسجد الحرام كأنها ضباب مظلم في عام 1222 للهجرة، وأجبرت الشريف غالب على التصالح معهم ومداراتهم. وهذه الفئة الخبيثة تتبع المذهب الفاسد الذي أسسه محمد بن عبدالوهاب.
ولقد ولد محمد بن عبدالوهاب في قرية العيينة نشأ بها، وهي تقع في جهة البصرة، على بعد خمس عشرة مرحلة تقريباً من مكة المكرمة. ولقد اجتهد في طلب العلم، وحصل علوماً شتى، وبعد مدة كُلّف بالتدريس لطلاب القرية المذكورة. وقرية العيينة تتكون من ثلاثين بيتاً، ولكن تحيط بها من أطرافها قرى أخرى متفرقة يبلغ//33//عدد منازلها خمسمائة أو ستمائة منزل.
وكان محمد بن عبدالوهاب حنبلي المذهب، وسعى في بداية عمله بالتدريس إلى غواية الطلاب وإضلالهم، ولكنه كان يخشى الجهر بأفكاره الفاسقة والضالة التي تعتمل في ذهنه ولك يجرؤ على إعلانها فجأة بين الناس.
وكان طلاب ابن عبدالوهاب من أبناء القرى المذكورة، وهم من البدو. ولهذا، فمن الثابت أنهم لم يستطيعوا إدراك وتمييز علامات الخلل الذي يعتري أقوال شيخهم المارقة. ولكنهم لاحظوا أنه لا يشتغل بقراءة القرآن الكريم ولا يتقيد بتلاوته وتفسيره، وأنه لا يستند إليه، وينشر اعتقاده الفاسد وترهاته الفارغة بقوله: "لماذا تنشغلون بكتاب دلائل الخيرات؟ وما الفائدة منه؟" ولما أبان عن معتقداته على هذا النحو، علموا أنه ينكر النبوة،//34// طعنوا في أقواله وقبحوها، وشنعوا عليه.
وأخيراً ترك محمد بن عبدالوهاب التدريس، وهاجر إلى نواحي نجد والحجاز، التي بذر فيها مسيلمة الكذّاب بذور الكذب والفساد، وابتدع ديانة جديدة تخالف الشرع المصطفوي الشريف، ووضع عدداً من المسائل الاعتقادية الباطلة، خدع بها المغفلين من الأعراب، وجمع العصاة الذين كانوا تحت حكم أشراف مكة وإدارتهم، وأقنعهم بأفكاره الضالة، ونادى بضرورة الاستيلاء على الحرمين الشريفين، وطاف بالقرى واحدة بعد الأخرى مستعملاً الحيل والدسائس، وأدخل في مذهبه الباطل عربان البوادي الذين لا عقل ولا إدراك عندهم. وكان ذلك في عام 1188هـ.
وكان شريف مكة المكرمة آنذاك الشريف مسعود،//35// الذي علم أن ابن عبدالوهاب يسوق الناس إلى أفكاره الفاسدة، ويدفعهم إلى الضلال والرفض والإلحاد، وأخبره بذلك حجاج أهل السنة الذين قدموا إلى مكة لأداء فريضة الحج. كذلك أخبره علماء جهات الشرق، وشرح له كل واحد منهم الوضع والحال، وأطلعوه بالتفصيل على أفكار ابن عبدالوهاب وأحيط علماً بتطلعاته ونواياه وديانته. فقام الشريف مسعود باستفتاء كبار علماء مكة المكرمة بشأن المعاملة الشرعية التي يجب أن تتخذ إزاء هذا الضال. فأفتوا بفتاوى متعددة فحواها أنه" يجب ردع محمد بن عبدالوهاب زجراً عما يدعو إليه من الرفض والإلحاد، وإذا عاند واستمر في دعواه وثبت عليها، فيجب قتله". وأرسل الشريف رسالة خاصة إلى الباب العالي//36// عرض فيها الأمر من كل جوانبه وأرفق بها الفتاوى الشريفة التي أفتى بها علماء مكة.
وبحث الباب العالي الأمر، وجرت تحقيقات معمقة، وبعد ذلك، أرسلت أوامر مشددة بهذا الخصوص إلى والي جدة عثمان باشا بضرورة التحرك بالاتفاق مع الشريف مسعود، وصرف الجهود لتأديب ابن عبدالوهاب بأي شكل، والتنكيل به. والذي حصل أن هذه التحقيقات والمخابرات والمراسلات قد استغرقت مدةً طويلة، في الوقت الذي كان فيه ابن عبدالوهاب يبحث عن رجال يقلدهم الخلافة، ونشر مذهبه في الدرعية وما جاورها، وتشكلت فرق وجماعات كبيرة جداً في أقاليم نجد، وصرف جهداً لا حد له من أجل نشر مذهبه الباطل في منطقة الحجاز،//37// وخطط للعصيان والثورة والتمرد.
وعمل محمد بن عبد الوهاب، سيئ الجبلة، في الدرعية وما حولها على تكوين جماعة تنهض بقضية الإمامة، وتمكن من تحقيق غرضه هذا، ولكن نشر أفكاره الضارة الباطلة كان منوطاً بوجود العصبية والنسب القبلي. ولأن هذا الدنيء الجهنمي لم يكن له أصل وعصبية معروفة، اتجه إلى شيخ الدرعية عبدالعزيز، الذي له قدره عند العربان ونسبه معلوم لهم، وكان متطلعاً للاستقلال، ورغبه في الاستيلاء على الحرمين. فوافق عبدالعزيز، العاصي مثير الفتن، على رأي ابن عبدالوهاب واستصوب أفكاره.
ولما دخل عبدالعزيز في ديانة ابن عبدالوهاب المخترعة،//38//اعتراه الغرور، وداخله الكبر، وأخذته النخوة، فصرح بأنه ينوي أن يهاجم بغداد أولاً، ثم مكة المكرمة والاستيلاء عليهما. وشرح أفكاره هذه المدعمة بمذهب محمد بن عبدالوهاب لمشايخ العربان والبدو، وأعلنها عليهم. وبدأ في التجول في القرى والنواحي يجمع الأموال تحت مسمى العشور والزكاة الشرعية، وقتل كل من خالفه الرأي من علماء أخل السنة. وبالجبر والغصب والظلم تمكن من جمع أموال طائلة، تكفي للنفقة والصرف على الغوغاء والجموع الغفيرة التي التفت حوله. وأدخل بتحريضه المستمر كثيراً من رجال القبائل ممن لا شعور لديهم في مذهب محمد بن عبدالوهاب الفاسد. //39// وبعد ذلك، استند إلى هذه الكلاب [الجماعات] التي التفت حوله، وطالب بالخلافة. ووسع الدائرة التي انتشرت فيها الديانة الباطلة المستمدة من اجتهادات محمد بن عبدالوهاب، وصارت له قوة يمكنها أن تصمد أمام عدة فرق عسكرية نظامية.
ونشر عبدالعزيز رعاع الوهابية في جبال الدرعية وبوادي نجد، ولكي يضمن استعدادهم للتضحيتهم بأرواحهم وأنفسهم في سبيل تنفيذ أوامره، استدعي شيوخ القبائل، في وقت احتشاد هذه الكلاب [الجموع]، بتحريض من ابن عبدالوهاب، وشكل منهم مجلساً سرياً خاصاً. واستمال كل من هؤلاء الشيوخ بأنواع من العطايا والهدايا، وكسبهم إلى صفه، وسيطر على وجدانهم وأفكارهم.//40// ثم بدأهم بالخطاب مستعرضاً أفكاره السخيفة قائلاً:" لقد أصبحت أملك من القوة العسكرية ما يمكنني من تحقيق ما نويت عليه من أمر. وهدفي من جمع هذه القوة وتجهيزها وإعدادها هو الغزو بقوة عسكرية قاهرة من دار خلافتنا، التي هي الدرعية النجدية، ولإخضاع أهالي القرى والبلاد التي أمر بها، وإدخالهم في طاعتي وتعليمهم أمور دينهم. والاستيلاء على بغداد وما حولها من البلاد، بفضل ما أتمتع به من صفات العدل واتباع الإنصاف. ولكن تحقيق أملي هذا، مرتبط بسبب مهم وهو ضرورة القضاء على علماء أهل السنة الذين يدّعون أنهم يتّبعون الشريعة المحمدية المطهرة، والسنة الأحمدية الشريفة. وبمعنى آخر، قتل كافة المشركين الذين يتبعون علماء أهل السنة، وجعلهم رقابهم طعمة للسيف.//41//ذلك أن أتباع مذهبنا لايمكنهم أن يجدوا الراحة في البلاد التي يوجد بها علماء أهل السنة. فيجب أولاً التخلص من المشركين الذين ظهروا وتسمّوا باسم العلماء وإعدامهم، ثم نتقدم للاستيلاء على بغداد دار السلام".
ولقد استقبل رؤساء القبائل العصاة، الذين حضروا ذلك المجلس الشيطاني، أقوال عبدالعزيز وأفكاره هذه بالترحاب، وقالوا" نحن تركنا ديارنا وبلادنا وانطلقنا في جبال الدرعية ونواحي نجد من أجل تنفيذ أوامرك. ولسوف نقوم نقبل ما تأمرنا به مهما كان، وننفذه دون أدنى تردد أو تقاعس".//42// عقب ذلك قاموا بتقبيل يد عبدالعزيز القذرة واحداً تلو الآخر وذلك حسب عادة الأعراب.
وبعد أن أتم معاهدة العربان على هذا النحو، أصدر أوامره إليهم قائلاً:" والآن، وبمقتضى مذهبنا، يجب عليكم غرس هذه الأفكار والتصورات التي تعد مثالاً للعدالة الحمراء والإنصاف الدموي في أذهان العربان وعقولهم، وابعثوا بهم لمقاتلة المشركين والعربان الذين ليس لهم من الإسلام سوى الاسم، وحرضوهم على ذلك".
وفي تلك الأثناء، كان محمد بن عبدالوهاب قد خرج يطوف بالبلاد لنشر ديانته، وترك إلى جانب عبدالعزيز أحد علمائه الزنادقة يدعى محمد بن أحمد الحفظي. وحسب المثل القائل "كل سرّ جاوز الاثنين شاع"، فقد انتشرت في الآفاق أفكار عبدالعزيز الغادرة والظالمة، وتولى الأمر غير أهله وتدخل فيه من لا علم له، //43// ووجدت تلك الحشرات الضالة [جموع الغوغاء الملحدين] الفرصة سانحة لإيذاء علماء الموحدين والتشفي منهم، بتحريض من محمد بن أحمد الحفظي. ولهذا دخل الخوف إلى قلوب علماء أهل السنة الموجودين في أطراف الدرعية، ولكي ينقذوا أرواحهم، وفي الوقت نفسه يقدموا خدمة لأهل الإيمان بإيقاظ الدولة العثمانية من غفلتها وسباتها العميق، جرت بينهم مراسلات ومكاتبات، وتركوا ديارهم ومنازلهم، وفروا إلى بغداد، وأطلعوا واليها سليمان باشا على مجريات الحوادث هناك، وقالوا:
"إن رجلاً زنديقاً يسمى محمد بن أحمد الحفظي، يقول إنه مكلف من قبل مجدد الدين، وإمام أهل اليقين محمد بن عبدالوهاب، يدفع الناس إلى الضلال، ويسوقهم إلى الإلحاد. ويتحلى هذا الزنديق في الظاهر بالقول البديع وبالبريق الزائف والتطلع،//44// وفي باطنه يحمل الحيل الشيطانية، فهو يقول بوجود مكان لله رب العالمين عزّ وجلّ، ويثبته له، وينكر الشفاعة العظمى لخاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم. ويقنع بأمثال هذه الأقوال ما لا حصر له من جهلة الناس".

"وهذا الرجل عدو لأرواح أهل التوحيد، فهو ضال، وأيضاً مضل يصرف الناس عن سواء السبيل.
ولقّب شيخ الدرعية عبدالعزيز، الحريص على زعامته، بلقب "أمير المؤمنين". وفوق ذلك فإنه كان يبشر الحمقى الذين غرر بهم وأدخلهم في مذهبه الباطل بالجنة والفردوس الأعلى، ويبشر المسلمين الذي ثبتوا على الإسلام بنار جهنم. واصطلى المسلمون بنار أذيته، وأحرقهم بظلمه وتعدياته. ومن بين معتقداته، زعمه أن المؤمنين والمؤمنات الذي ماتوا منذ خمسمائة سنة وحتى وقته، قد ماتوا على الشرك. ويسوق الأدلة لإقناع من لايؤمن بذلك، ويكفر العلماء الذين يقولون بصحة//45// الأحكام الدينية التي عليها المذاهب الأربعة. ويسعى في تحريض عبدالعزيز وتشجيعه على غزو بغداد والحرمين الشريفين، والاستيلاء عليهما. ولقد جهز عبدالعزيز قواته العسكرية للاستيلاء على بغداد، مدفوعاً بحرصه على الاستقلال، وأعطى أوامره الصارمة للوهابيين بقتل كل من يصادفهم من العلماء".
"ولقد تركنا ديارنا بمجرد أن سمعنا بهذه الأخبار، وقدمنا إلى مقامكم العالي هذا طلباً للجوء تحت جناح حماية السلطنة السنية العثمانية. ويجب أن تعلموا إنه إذا حدث تهاون وتسامح في هذا الخصوص، فلن يبقى في أرض الحجاز مسلم واحد، وسيخترم السيف رقاب المسلمين هناك عن بكرة أبيهم، وسوف تسقط بلاد الحجاز المقدسة في أيدي الوهابيين."
//46//ولقد تأثر سليمان باشا غاية التأثر من هذه الأخبار المحزنة والحوادث الأليمة، وعقد المجلس العمومي واتخذ قراراً في هذا الشأن، بدراسة أفكار عبدالعزيز وتطلعاته، وبناء على ذلك تتخذ التدابير والاستعدادات اللازمة. فأرسلت لهذا الغرض رسالة تهديد ووعيد إلى عبدالعزيز. فرد عليها عبدالعزيز برسالة مرتبة بشكل شيطاني، قال فيها:" أظن أن بعض الوشاة والمغرضين قد نقلوا بهتاناً وافتراءات في حق الداعي لكم، مما سبب غضب سيدنا [أفندينا] وحدته. إن الداعي لكم يؤمن بالله ورسوله، ويعمل بموجب العلم الإلهي، ويتبع أوامر نبينا صلى الله عليه وسلم، وبكل طاعة وتسليم. ولهذا، فإن الفساق من أهالي البلاد والنواحي الواقعة في عهدة مشيخة الداعي لكم، لا يستطيعون تجاوز حدود أحكام الشريعة الغراء، ومن هنا فهم يسعون للإيقاع بيننا بالفتنة والتفرقة والوشاية. ومقصدهم هو أن ارتكاب الأفعال القبيحة والتصرفات الخارجة//47// عن الحياء في الدرعية وما حولها من البلاد. إن بلاداً تطبق فيها أحكام الشرع بحذافيرها لايمكن تصور وقوع مثل هذه الأفعال في حدودها. أما الأشخاص المغرضين الذين يسعون بالفتنة فيما بيننا، فأرجو من عدالتكم، المسلّم بها من الجميع، أن تنزلوا بهم عقوبة الإعدام ليكونوا عبرة للعالمين، وحتى لايتمكن بعدها أي مغرض فتان من الدخول بيننا بالفساد".
واستشف سليمان باشا من رسالة عبدالعزيز هذه التي صيغت بأسلوب شيطاني، أن نار الفتنة التي تنطوي عليها قلوب الوهابيين، ويضمرونها سراً، قابلة لأن يشتد أوارها وسعيرها. ولهذا أعطى أوامره بتجهيز فرقة عسكرية//48// وإعدادها للسير إلى الدرعية. لكن قبيل إرسال هذه الفرقة قدم من جهات الدرعية رجل صدوق، موثوق الرواية وذكر أن أحد الأعراب قد عاد برفقة شقيق له من مكة المكرمة، وفي أثناء الطريق، اعترضهما جماعة لصوص من أشقياء الدرعية، ومن عصابات سعود بن عبدالعزيز، وقتلوا شقيقه، وسلبوا مالهما وأشياءهما. فثار الأعرابي، واشتد به الغضب، وانطلق إلى الدرعية يريد قتل رئيس الأشقياء سعود بن عبدالعزيز. ولكنه لم يتمكن من مقابلة سعود، فصادف أباه عبدالعزيز فقتله، وأخذ بثأر أخيه".//49// ولما سمع سليمان باشا هذا الكلام صرف النظر عن إرسال القوة العسكرية التي أعدت للتوجه إلى الدرعية.
وإن كان سليمان باشا قد تخلى عن سوق الجنود نحو الدرعية بسبب وفاة عبدالعزيز، إلا أن سعوداً كان أكثر عناداً وفساداً من والده عبدالعزيز، الذي صارت جهنم مأواه. فلم يكد يتولى منصب المشيخة حتى انطلق بتحريض من الزنديق محمد بن أحمد الحفظي وتشجيعه لهدم قوام الشريعة الإسلامية من أساسها، ونوى أن يجعل من المدينة المنورة في حكم (دار الندوة) للروافض الزنادقة. وتمكن في ظرف مدة قصيرة من جمع أعداد غفيرة لا حصر لها من الغوغاء والدهماء من أهل جهنم، وجهّزهم، وخرج بهم يريد الاستيلاء على الحرمين الشريفين.//50// وفي الوقت نفسه، أرسل طلباً إلى الشريف سرور، رحمه الله، حاول فيه إقناعه بأن مقصده هو السماح له ولجماعته بأداء فريضة الحج.ولكن الشريف سرور كان رجلاً متصفاً بالشجاعة، فرد على سعود بقوله:" إن أردت أن أزق جسدك بسيفي إرباً إرباً، وأطعم الضواري بجيفتك، فأقدم وأقبل بمن معك". وجمع بعض العساكر، وجهزهم، وسار بهم نحو الدرعية. وكان الشريف شجاعاً بطبيعته، ويعد بين العرب معادلاً لألفي رجل مغوار.
ولما علم سعود بن عبدالعزيز أن الشريف سرور قد تحرك من مكة على رأس قوة عسكرية كافية،//51// تحير ماذا يعمل، وكيف يدبر الأمر، فلجأ مع عساكره إلى الجبال الوعرة، ولكن الشريف سرور لم يتركهم، بل تعقبهم، وهزمهم في أول مواجهة بينهما، وشتت شملهم، وقتل كثيراً منهم، وعاد إلى مكة. وبعد مدة قصيرة مرض الشريف، وتوفي.
واستفاد سعود بن عبدالعزيز من وفاة الشريف سرور، فعمل على توسيع نطاق فساده، وإظهار شقاوته، فأخذ في قطع طريق الحج. وفي عام 1224هـ انطلق مع خمسة عشر ألف وهابي من أعراب البادية، ممن لا ضمير لهم ولا فهم عندهم، وقرر الاستيلاء على قلعة (الجفير) الواقعة على نهر الفرات. واستطاع أن يهزم قوة عسكرية، قوامها عشرون ألف رجل، ساقها عليه سليمان باشا،//52// وشتت شملها. وانتشى بسكرة النصر، فاستولى على قرية (السراج)، المجاورة لقلعة (الجفير).
وبعد أن مني سليمان باشا بهذه الهزيمة المنكرة، حشد قوة عسكرية، قوامها عشرة آلاف رجل، جهزها أحد أعيان الرقة يدعى حاجي محمد آغا، الحائز على رتبة" سر صاقصونجي "، ووالي الرقة عبدالله باشا، وتولى قيادتها، وهاجم الوهابيين التعساء، واستطاعت هذه القوة أن تنزل الهزيمة بهم في أول حملة عليهم. وشتت جموع الوهابيين، وقتل معظمهم. وبالإضافة إلى ذلك، فقد غنموا منهم مائتي رأس من الإبل.
وقام سعود التعيس، ذو الجبلة الفاسدة، بعد اندحاره في معركة (السراج)، بتجميع فلوله المهزومة في أحد الأماكن،//53// ورتّبهم وأعاد نظامهم، وأغار على قافلة الحج المصري ونهبها، وقتل الآلاف من الحجاج الأبرياء، وأسر كثيراً منهم. وأرسل الشريف غالب، الذي تولى الإمارة بعد وفاة الشريف سرور، رحمه الله، أخاه الشريف عبدالعزيز إلى الدرعية، وكلفه بمهمة تأديب الوهابيين الذين نهبوا قافلة الحجاج المصريين، وأمره أن ينكل بهم. والتقى الشريف عبدالعزيز بمن صادفهم من جموع الوهابيين، واشتبك معهم، ومزق شملهم، ولكنه عاد من دون أن يصل الدرعية.
ولقد كان رأي الشريف غالب هو إخماد نار الوهابيين المستعرة في قلعة الدرعية، والقضاء عليهم، //54//ولهذا سخط على أخيه الشريف عبدالعزيز، ولامه لوماً شديداً لرجوعه دون مهاجمة قلعة الدرعية. ولهذا قرر أن يقوم بنفسه بالسير إلى الدرعية. وكان أخوه الشريف فهيد، من عقلاء الأشراف، فقال له:" إن الوهابيين يتحصنون في موقع طبيعي محكم بعيد جداً عنا، فإذا لم يحالفنا الحظ بالانتصار عليهم، وهُزمنا في الحرب، وبناء على ذلك، اضطررنا لطلب الجند من مكة، فمن العسير تأمين المدد وسوقه منها. وإذا كان رأيكم السامي يتطلب تأديب الوهابيين ومعاقبتهم والتنكيل بهم، فإن هذا مرهون بتأمين قوة عسكرية قاهرة كافية، لها قدرة ساحقة، وهذا من الأمور العظيمة، المنوطة بعاصمة الخلافة الإسلامية [في إسطنبول]. وكل ما نستطيعه هو توفير الحماية لمكة المكرمة. فإذا ما قدم هؤلاء الوهابيون وهاجموها،//55// فسوف نقاتلهم، وإلا فإن مسيرنا لغزو عدو تجهز بقوة كبيرة وإمكانيات عظيمة مثل هؤلاء، وتعرضنا للهزيمة هناك، سيؤدي إلى خروج بلاد الحجاز المباركة من أيدينا". ولكن الشريف غالب لم يلق بالاً لكلام الشريف فهيد، ولم يصغ إليه، فجمع قوة عسكرية كافية، وخرج من مكة المكرمة يريد ضرب الدرعية.
ولأن الشريف غالب كان ساخطاً على أخيه الشريف فهيد، فلم يلق بالاً لنصائحه. ذلك أن الشريف غالب كان قد أسند إلى الشريف فهيد قيادة القوة التي جهزها لمعاقبة الوهابيين والتنكيل بهم وطردهم، لغارتهم على الحجاج المصريين ونهبهم. ولكن الشريف فهيد كان صاحب فكر بعيد، فلم يقبل هذا التكليف، فسخط عليه الشريف غالب، وأثار غضبه. وحدث بعد ذلك، أن قبل الشريف فهيد قيادة القوة العسكرية المجهزة بنفسه،//56// إلا أن تفسير الشريف غالب للنصائح الحكيمة التي وجهها له على أنها نابعة من جبنه وخوفه، جعله يرفض هذه المهمة. ولكن، وكما سنرى بعد قليل، فإن الشريف غالب قد ارتكب خطأً كبيراً لعدم أخذه بنصائح الشريف فهيد.
وتقدم الشريف غالب بقواته ووصل إلى وادي الشعراء للاستيلاء على قلعتها. ولما رأى أن الوهابيين الموجودين بداخل القلعة يبادلونه الرمي بالرصاص والقذائف، قال:" لن أتحرك خطوة واحدة من هنا ما لم أستولي على هذه القلعة الصغيرة مهما كلفني الأمر، وسأهدمها وأحولها إلى خراب". وأسس له مقراً ونصب خيامه في وادي الشعراء،//57// وبدأ في التضييق على الوهابيين المتحصنين بالقلعة.وهذه القلعة رغم أنها صغيرة جداً ومبنية من الطين والتراب، إلا أنها تشكل حامية قوية وسليمة بسبب موقعها، وقد تحصن بها حوالي سبعين رجلاً من حُماتها الوهابيين. وحاصر الشريف غالب القلعة من أطرافها، وأخذ يرميها بالمدفعية والبنادق والقنابل والمقذوفات، واستمر الحصار والتضييق عشرين يوماً، ولكنه لما رأى أنه لم يدب الضعف والوهن إلى أحد من المحاصرين في داخل القلعة، وأن الانسحاب والتراجع ليس من شيم الأمراء والأشراف ولايليق به، أحضر سلالم حديدية من مكة المكرمة ليستعين بها في الهجوم على القلعة والاستيلاء عليها. وفي هذا السبيل هلك كثير من جنوده، ولما طلب من بعض البلاد إمداده بالجند لم يصله منها أي عون أو مدد، فأصابه اليأس والأسف على أنه أضاع عدة أشهر فيما لاطائل من ورائه،//58// وضاعت جهوده سدىً، وهلك كثير من رجاله.
ولما وصل الشريف غالب إلى مكة المكرمة، جمع بعض العساكر وجهزهم، وساقهم لقتال قرملة اليماني القحطاني، الذي رفع راية العصيان والفساد في البوادي، وتمكن من تشتيت شمله وفرق جموعه، وقتل منهم عدداً كثيراً. وفي طريق عودته أغار على بعض قبائل البدو كان قد حنق عليها لتقاعسها عن تقديم العون له في أثناء حصاره لقلعة الشعراء، وهدم مساكنهم، وخرب ديارهم وجعلها مأوى للبوم والغربان. وبهذا أدخل الرعب والفزع في قلوب العربان، ولم يعد أحد منهم يجرؤ على مخالفته.//59// وكان ذلك عام 1208هـ.
وسّرّ الشريف فهيد من استعادة أخيه الشريف غالب نفوذه، ومن زيادة اعتباره، ولكنه شعر بالحزن العميق لما وصله من الأخبار عن ارتكاب عساكر الشريف غالب جرائم العرض والشرف، وما سببه هذا من كره العربان للشريف غالب، ونفرتهم منه. ومن أجل تأمين عودة الشريف غالب إلى مكة، أرسل إليه رسالة خاصة، قال فيها:" يا أخي، لقد ولى الزمن الذي يمكنك فيه التجول في البادية، ومن في معيتك من العساكر قد انتشوا بالانتصارات المتتابعة التي حققوها، ومن المؤكد أنهم ارتكبوا أفعالاً تثير عليك الحقد والضغينة في قلوب الأعراب. وعاقبة هذه الأعمال وخيمة، ونتيجتها الندامة، وتجلب العار. وبما أن شجاعتك وصولتك وهيبتك قد ألقت الرعب والرهبة في قلوب رجال القبائل، فيجب عليك الآن العودة إلى مقر الإمارة،//60//في مكة المكرمة، وأن تستريح". وبالرغم من ذلك فإن الشريف غالب عدّ مثل هذا الكلام من الشريف فهيد دلالة أيضاً على جبنه وخوره، وفضل الاستراحة في الطائف على الإقامة في مكة. وعدم قبول الشريف غالب للنصائح الخيرة من أخيه الشريف فهيد يعد الخطأ الفادح الثاني الذي ارتكبه، وربما هو السبب الرئيسي في هزيمته أمام الوهابيين.
وأما عساكر الشريف غالب الذي انتشوا بشراب النصر والظفر، فإنهم منذ أن نصبوا خيامهم في ساحة الطائف انتشروا بدون توان أو تباطؤ، وساحوا في القرى المجاورة، يملؤهم الغرور والكبر//61// التعالي وأظهروا سوء أدبهم وقلة حيائهم، على النحو الذي ذكره الشريف فهيد فيما .... لدرجة أن أحد هؤلاء العساكر صادف ابنة أحد الأعراب في الخلاء، فاغتصبها وفضّ بكارتها. ولأنها إحدى بنات العرب الأصلاء ذوي الشرف الذين يحمون عرضهم، وبموجب عادات الشرف والعفة والعرض، فقد وضع أبوها قميصها المضرج بالدم على كتفه، وشرح الوضع لكل من مر به، وطارت عقول رؤساء قبيلته ورجالها، وأخذ يصيح:" العار …العار، ياصاحب الجار، العار يامروتكار … العار العار..ياصاحب العرض والوقار، العار… العار بحرمة الستار، العار … العار يا رجال القبائل صاحبة العرض والوقار". فحرّك رجال القبائل المجاورة كلهم ضد الشريف غالب،//62// وكان يطوف بالقبائل، قبيلة بعد أخرى، وهو يحرضهم بقوله:" إن ذهاب الروح والموت فداءً أولى وأهون من رؤية هذه الفضيحة والعار". وأخذ يحرض رؤساء القبائل ورجالها للأخذ بثأر ابنته. فاحتشد منهم رجال أكثر من عدد رمال الصحراء، مجهزين للحرب، وتوجهوا لبلدة الطائف.
وتجميع هذا القدر من العساكر في الحال، وتجهيزهم وحشدهم، لايمكن أن يقع دون أن يعلم به أهالي مكة والطائف، ولأن هؤلاء البدو قد ضجوا من ظلم الشريف غالب، وبلغ بهم تعسفه مبلغه، ولأنهم أتموا هذا الأمر في خفية وسرعة، فلم يعلم به أحد من أتباع الشريف غالب حتى الساعة التي اقتربوا فيها من الطائف.
وفي الواقع، لقد تواترت أقوال، ووصلت إلى الشريف غالب، ولكنه مع الأسف عدّها من الأرجيف والأكاذيب،//63// لم يتوقف عندها، ولم يعرها اهتماماً. وبهذا وقع في غفلة شديدة، وارتكب الخطأ الثالث.
وبعد شيوع خبر هذه الواقعة بزمن وجيز، ظهر البدو حول أطراف قلعة الطائف، وفجأة شنوا هجومهم عليها، فهرب الشريف غالب ونجا بنفسه. ثم هاجموا العساكر المغرورة بالنصر والغلبة فرقة فرقة كالذئاب المسعورة، وأعدموا خمسة وأربعين رجلاً من الأشراف ومائتي جندي، ونهبوا الأشياء واللوازم العسكرية، وبذلك أخذوا بثأرهم، وانتقموا لشرفهم.
وبعد هزيمة الشريف غالب المنكرة هذه، غادر مقر إمارته الفخم في الطائف، وتركه للبدو، وعاد إلى مكة المكرمة، وسقطت هيبته بين العرب، وتراجع نفوذه بينهم،//64// وصار في منزلة حقيرة كأحد من الناس، وانزوى في داره. ولكنه لما علم بخروج سعود التعيس من الدرعية في حشود كبيرة من العساكر الملحدين والملاعين لغزو مكة المكرمة، وأنه وصل بجيشه إلى قرية "تربة"، بالقرب من الطائف، جمع العدد الكافي من جنوده، وخرج بهم إلى القرية المذكورة، وطرد سعوداً منها.
ولم يصمد سعود بن عبدالعزيز إزاء هجوم الشريف غالب، فهرب أمامه، ولجأ جنوده إلى الجبال، ولكن الشريف غالب لم يتعقبهم. //65//وأخيراً، قام سعود بن عبدالعزيز بتجميع عساكره الذين احتموا بالجبال، وأخذ في التضييق على عربان قبائل الحجاز بشكل مستمر، وبدأ في تحريضهم بإحياء النعرات البدوية عندهم. وبفضل هذا العمل، أدخلهم في طاعته، وانقادوا له. ولقد نفذ إلى قلوب هؤلاء الجهلة ويسيطر عليها كالشيطان، وأخرج كافة البدو، الذين لا عقل ولا حيثية لهم، عن سواء السبيل، وأضلهم. وازداد عدد المؤمنين بديانته الباطلة، وتعاظم جمعهم، حتى أجبر الشريف غالب على عقد الصلح معه.
وبموجب هذا الاتفاق أصبح بإمكان سعود وأتباعه من الوهابيين الحج إلى بيت الله والطواف به متى ما أرادوا ذلك. ولهم أن يقيموا في نواحي الطائف وما جاورها. ويمكن لأتباع الطرفين أن يتبادلوا البيع والشراء مع بعضهم البعض. ومن شروط هذا الصلح أن يعلن العفو عن البدو الذين هزموا الشريف غالب في موقعة الطائف. //66//وكان قسم من النواحي الحجازية قد بقي تحت حكم الشريف غالب، والبعض الآخر ظل تحت حكم سعود بن عبدالعزيز. وكان ذلك في عام 1212هـ.
وكانت معاهدة الصلح التي أجبر عليها الشريف غالب هي الخطأ الرابع الذي وقع فيه.
ذلك لو أن الشريف غالب عندما هزم سعود بن عبدالعزيز عند قرية تربة، لم يتركه، وتعقبه حتى أخرجه من بلاد الحجاز، وأبعده عن أطرافها، لم يتمكن سعود من إفساد عقول بدو الحجاز، لا استطاع أن يغلب الشريف غالب ويضطره إلى عقد اتفاقية للمصالحة جبراً.
ولأن هذه الاتفاقية قد حدثت في أواسط تلك السنة، فقد قدم سعود في موسمي الحج عامي 1213هـ وعام 1214هـ بنفسه وفي معيته جموع غفيرة من العسكر،//67// وظهر بهم في مكة وعرفات، ونشر بذور الفساد والاضطراب في قلوب قبائل العربان وعقولهم.
وفي خلال هاتين السنتين، تعاظم عدد الناس الذي بايعوا عبدالعزيز على اتباع مذهب محمد بن عبدالوهاب الباطل، وازدادوا بشكل مثير للحيرة والدهشة، وانقلبوا كلهم ضد الإسلام.
وأدرك الشريف غالب من التحركات المشاهدة للذين يبايعون سعوداً، غير المسعود، ومن تزايد عدد غوغاء الوهابية يوماً بعد يوم، أن فتنة الوهابية قد اكتسبت أهمية، وأن زمام الإدارة في منطقة الحجاز سينتقل إلى يد سعود بن عبدالعزيز المنحوسة. وأراد تهديد سعود بن عبدالعزيز بإرسال رسائل ومكاتيب تطالب بضرورة إعادة أعراب البادية الذين ينضمون إلى طرف الوهابيين،//68// وإرجاعهم إلى قراهم بموجب شروط المعاهدة. إلا أن سعوداً رد عليه رداً حاسماً بقوله: "إنه لايجوز شرعاً إعادة من يدخل في الدين الحق". ولذلك كان مضطراً لاستخدام القوة العسكرية من أجل تنفيذ أحكام معاهدة الصلح وشروطها. ولكن سعود بن عبدالعزيز كان قد جمع رؤساء قبائل البدو، وخاطبهم بشعارات منها:" من كان مريداً للطاعة، فليدخل تحت ظلال سيوف سعود". ومنّاهم بأن من يطيع أوامره سوف يتخلص من آفات الدنيا ومصائبها، وسينجو من عذاب الآخرة. وبعد أن حاول إقناع البدو وطمأنتهم بذلك، بدأ في تجهيز هذه العصابات من أجل إراقة دماء المسلمين بموجب فتاوى باطلة//69// من علماء زنادقة. وسمع الشريف غالب بكل هذا، ولم يبق عنده قوة من العسكر يمكن أن تقف سداً مانعاً أمام فيضان البلاء هذا، فقرر تجديد المعاهدة حتى لا تسقط مكة المكرمة في أيدي هؤلاء الأشقياء المفسدين.
فأرسل إلى الدرعية كل من عثمان بن عبدالرحمن المضايفي ومحسن الخادمي ومعهما رسالة كتبها بأسلوب لطيف وجهها إلى سعود بن عبدالعزيز، وطلب منه إضافة مادة جديدة إلى المعاهدة السابقة تنص على عدم التعدي وعدم إلحاق الظلم بأي فرد من كلا الطرفين.
ولقد أحس الشريف غالب بالندم لأنه قضى وقتاً طويلاً لاينصاع لنصائح أخيه الشريف فهيد، //70//وقال: "لقد أخطأت حين وافقت على الصلح مع سعود". ولكن الأمر قد خرج من يده.
أما الشريف فهيد فلم يبق لديه أي شك في أن منطقة الحجاز المباركة قد ضاعت من أيديهم، ولهذا رأى أن الإقامة بها أمر غير مناسب، فغادر مكة ذات ليلة سراً، ودون أن يخبر الشريف غالب، وتوجه إلى المدينة المنورة، ومنها ذهب إلى الشام ثم إلى عكا، وفيها قضى بقية حياته حتى وافاه الأجل المحتوم.

استيلاء الأعداء على قلعة الطائف
ولأن عثمان المضايقي الشقي كان موالياً للديانة الوهابية، فقد تحول ضد الشريف غالب في غيابه، وأقنع أيضاً رفيقه محسن الخادمي الخائن//71//عند وصولهما إلى الدرعية بالعمل لنشر أفكار سعود بن عبدالعزيز وترويجها. وانطلق بفرقة الوهابيين الباغية التي كلفه سعود بقيادتها، ووصل إلى موقع "العبيلة" القريب من الطائف. وهناك أرسل الرسائل الخاصة إلى الشريف غالب، وأخبره بأن المعاهدة قد نقضت، سواء من قبله أو من قبل سعود بن عبدالعزيز، وأنه ينوي الاستيلاء على مكة المكرمة، ولهذا أرسل أوامر مشددة إلى كل الأطراف وإلى عموم بدو الحجاز يطلب منهم التسليم، والدخول في طاعة سعود. وأحدثت هذه الأوامر المضرة تأثيراً سيئاً وسريعاً في كل البلاد، وأصيب الشريف غالب وأهل الحرمين بالخوف والهلع، وبدأ وقوع الظلم والتعدي.
//72// بيت من الشعر التركي
وفي الواقع، لقد أرسل الشريف غالب رسائل إلى عثمان المضايفي تحتوي على نصائح لينة، ويدعوه فيها إلى ترك الفساد والشقاوة، ونصحه بالعودة عن هذا الطريق، إلا أن عثمان المضايفي مزق بكل وقاحة رسائل الشريف غالب، ورماها. وتمادى في فساده وغيه.
ولقد منيت عدة فرق عسكرية أرسلت من مقر الإمارة بالهزيمة، فاضطر الشريف غالب إلى الانسحاب إلى قلعة الطائف والتحصن بها. ولما أدرك عثمان المضايفي جيداً أن الشريف غالب، من الآن فصاعداً، لم تعد له قدرة على مقاومة الوهابيين، أسس مقراً لقيادته في قرية "المليس" القريبة من الطائف، وذلك في أواخر شهر شوال 1217هـ،//73// وقرر البدء في ضرب الحصار على قلعة الطائف. وبعد إجراء الاتصالات، ورد أمير بيشة سالم بن شكبان الملعون، الذي يستحق أن يطلق عليه أكفر الكافرين، على عثمان المضايفي الخبيث، والتحق به، واشتركا في تحدي الشريف غالب، والتصدي له. فقد كان تحت إمرة سالم بن شكبان ألف رجل، وفي معيته حوالي عشرين شيخاً من أمراء بيشة، وتحت إمرة كل واحد منهم خمسمائة رجل من الوهابيين الخونة.وشن الشريف غالب بالاتفاق مع أهالي الطائف وبمعونتهم، هجوماً جريئاً دموياً على مقر القيادة في "المليس"، وبادرهم بالحرب، وقتل خمسمائة رجل من أتباع سالم بن شكبان،//74// وأوقع الهزيمة بجماعات الأعداء الباغين، وطردهم. ولكن سالم بن شكبان عاد بعد أن جمع عدداً كبيراً من العساكر، وهجم على القرية المذكورة، واغتصب أموال أهلها ونهب متاعهم. فدخل الخوف والرعب إلى قلب الشريف غالب من هجوم ابن شكبان هذه المرة، فخرج سراً من الطائف وهرب تحت جنح الظلام.
ولقد وضع هذا الموقف أهل الطائف في حالة من الخوف والهلع والحيرة، وبعد أن تشاوروا طويلاً فيما بينهم قرر فريق منهم الهرب سراً بأولاده وأمواله، وأما الفريق الآخر فقد بقي في الطائف، مستسلماً لما قدره الله عليهم.
وبناء على هذا الاتفاق، تولى أهل الطائف الذين بقوا داخل القلعة الدفاع عن أنفسهم، واشتبكوا مع الوهابيين المهاجمين،//75// وأنزلوا بهؤلاء الأشقياء الهزيمة مرات عديدة، ومزقوهم شذر مذر. ولكن لأن الأعداء كانوا أكثر عدداً، وكان تأتيهم الإمدادات متتابعة بدون انقطاع، فتعوض خسائرهم من الجنود بضعفين أو ثلاثة أضعاف، وازداد قوتهم، فقرر أهل الطائف في النهاية تسليم القلعة. فرفعوا عليها علامة الاستسلام، وأرسلوا رسولاً منهم إلى مقر قيادة العدو لطلب الأمان.
وعلى الرغم من أن فرق العدو كانت في تلك الأثناء قد هزمت شر هزيمة، وبدأت في الفرار. ولكن، للأسف، فإن الشخص الحقير الذي اختاره الأهالي، وبعثوا به إلى رئيس البغاة الأشقياء، قد شاهد الوهابيين وهم يولون الأدبار هاربين، ولم يتجرأوا حتى على العودة أو الالتفات نحو الطائف،//76// إلا أنه كان غاية في الحماقة والبلاهة، أو أنه أراد الدخول في ديانة الوهابيين، فلا نعلم سبباً لتصرفه. فقد خلع عمامته من على رأسه، ورفعها وهو يصيح بأعلى صوته في إثر هؤلاء الفارين، ويولول بلهجة بدوية، ويقول:" أيها الجند الشجعان المظفرون، إن الشريف غالب لم يستطع الصمود أمام هجومكم الكاسح، فهرب مولياً الأدبار. وإن أهالي الطائف الآن في غاية الضعف والإنهاك والجبن، وقرروا مغادرة القلعة، وتسليمها لكم بشرط أن يحصلوا منكم على الأمان والعفو عنهم. ولقد أرسلوني بهذا الأمر مبعوثاً إليكم، يرجون جميل صنيعكم وخيركم، واعلموا أن الأهالي لم يبق لهم حول ولاقوة. أرجوكم عودوا، فنخلة سعدكم وحظكم بدأت تعطي ثمارها على مرادكم وعلى ما تحبون. لقد تكبدتم الخسائر العظيمة وتجشمتم الصعاب الهائلة، فلا يصح و لايليق بعد هذا ألا تسيطروا على الطائف، وتولوا عنها وتعودوا أدراجكم.//77// وإني أطمئنكم على هذا الأمر، وأقسم لكم بالله أن أهل الطائف سوف يستسلمون لكم دون مقاومة، وسيقبلون كل ما تشترطونه وتقترحونه عليهم".
وكان سقوط الطائف في أيدي الأعداء وتسليمها على هذا النحو، وفرار الشريف غالب، وتركه الأهالي، هو الخطأ الخامس الذي ارتكبه.
بيت من الشعر التركي
وحسب القول السائر أن"الخائن خائف"، لم يصدق الوهابيون في أول وهلة كلام هذا المبعوث المنحوس، وردوا عليه قائلين: " من المحتمل أن يكون هذا الخبر كاذباً". ولكنهم لما رأوا علامة الاستسلام مرفوعة فوق القلعة،//78// تجمعوا عند أحد جوانبها، وأرسلوا رجلاً منها ليتحقق من هذا الخبر، ويستعلم رأي الناس ويستطلع ما يضمرون.
وقام هذا الأحمق الذي بعثه الوهابيون لكي يقف على ما يفكر به الأهالي، بالصعود إلى أعلى القلعة مستخدماً الحبال المدلاة منها، وخاطبهم بقوله""أيها الأهالي، إذا كنتم قد عزمتم حقيقة على الاستسلام، وطلبتم العفو والأمان حسبما ذكر الرجل الذي بعثتم به، وترغبون في إنقاذ أنفسكم، فعليكم أن تأتوا بكل أموالكم ومتاعكم مهما بلغ، وذلك لكي تنقذوا أرواحكم وأنفسكم". وأحضروا بالفعل أموالهم ومتاعهم بترغيب رجل محب للخير يدعى إبراهيم بن محمد الأمين، ولكن هذا الرجل قد استقلّ تلك الأموال، ووجدها ضئيلة، فبدأ يهذي بكلام بذيء وقاس، فقال:"لا..لا.. إن العفو والأمان لايمنح لكم بأموال قليلة وأشياء ضئيلة كهذه. يجب أن تحضروا أموالكم كلها،//79// وأن تعطونا دفتراً دقيقاً يحتوي على أسماء الأشخاص الذين يخبئون أموالكم. وبعد هذا، تزودونا برجال منكم يقومون على حراسة تلك الأموال ويحفظونها بالتناوب. ومع هذا، فإننا قد نسمح لرجالكم بالذهاب إلى أي مكان يريدون، أما نساؤكم وأطفالكم فسوف نأخذهم كلهم أسرى".
وكلما رجوه أن يتعامل معهم برفق ولين، ازداد في حدته وخشونته، فلم يصبر إبراهيم بن محمد المين الذي ذكرناه سابقاً على تصرفاته، فضربه بحجر على صدره، وصرعه.
بيت من الشعر التركي:
وإلى اللحظة التي زهقت فيها روح هذا الوهابي الخبيث، الذي قتل برمية من حجر،//80// واستقرت في جهنم، كانت أبواب القلعة مغلقة، ولهذا فإن الخوف من هؤلاء الأشقياء قد ذهب من قلوب الأهالي [المحاصرين] إلى حدٍ ما. إلا أنه لما قتل ذلك الأحمق، اندفع مجموعة من الأشقياء نحو أبواب القلعة المحكم، واحتشدوا عندها. ولأنهم نجوا من الرصاص والقذائف، فقد استخدموا الآلات الحديدية في كسر الأبواب، واندفعوا إلى داخل القلعة، وأعملوا السيف في كل من صادفهم من الأهالي، دون أن يفرقوا بين رجل أو امرأة أو طفل. وتلونت الشوارع والأزقة باللون الأحمر من دماء هؤلاء المظلومين. ولم يتورعوا عن تمزيق الأبرياء إرباً إرباً في منامهم ومخادعهم. وتركوا الحيوانات الضواري تنهش أجساد القتلى الذين لاحول لهم ولاقوة، ثم نهبوا ما وقع تحت أيديهم من مال ومتاع.
//81//بيت من الشعر التركي.
وهاجم الوهابيون أيضاً الأهالي المحاصرين في داخل المباني المحكمة والمنيعة في الطرف الشرقي من القلعة. ولكنهم لم يفلحوا في أسرهم والتمكن منهم، فأخذوا يمطرونهم بوابل من الرصاص حتى غروب الشمس، وضيقوا على هؤلاء الأبرياء، وقتلوا أغلبهم، وصعدت أرواح الطاهرة إلى جنة الفردوس. وانسحب الوهابيون بعد الغروب، وقطعوا الطريق عليهم. وأما هؤلاء المحاصرون العُزّل داخل الأبنية بالقلعة، فكانوا ينتحبون ويصرخون:(فالدنيا هي مقام الندم الألم والبلاء، وهي موطن المحنة، ودار الغم، وقصر المآتم". وكانوا ينتظرون بفارغ الصبر عودة ذلك الملعون الذي أرسلوه إلى الوهابيين لطلب العفو والأمان لهم،//82// ويراقبون طريق قدومه بعين الأمل والحيرة.
وبينما كان هؤلاء العزل في غاية الانكسار وشدة الاضطراب، ويتحرون عن ذلك الرجل الذي أرسلوه وأين غاب، سمعوا بالأخبار التي أفادت أن الأشقياء الوهابيين الملاعين قد قطعوا طرق الموارد الخارجية، أي أن الطرق التي يسلكها المسافرون في ذهابهم وعودتهم بين قرى الطائف وبين مكة قد وقعت في يد الأعداء. وتذكروا في أحوال الأهالي الذين نجوا من القتل وانهزموا، وتركوا نساءهم وأطفالهم في قلعة الطائف وأرادوا الفرار إلى مكة، وانتشروا في قرى المجاورة، فأصابهم الكدر والغم لهذا المصير. وبعد قليل، سمعوا بأن عثمان المضايفي، الذي كان قد انهزم وفرّ قبل فترة، قد رجع إلى قرية العبيلة بعد أن زاد من قواته،//83// فأدركوا أن الأمور قد تطورت نحو الأسوأ.
وذلك أن الأهالي علموا أن المبعوث المنحوس الذي كان قد أرسلوه، قد توجه إلى المكان الذي لجأ إليه عثمان المضايفي، وراح يدعو هذا الملعون.
وبعد أن أقام عثمان المضايفي مقرّاً لقيادته ونصب خيامه في العبيلة، تجول في بعض المواضع، مع ذلك المبعوث الخائن الذي أرسل لطلب العفو والأمان للأهالي، وكان في حالة من الاضطراب، وقام يخاطب الأهالي: " يا أهل الطائف، لقد وفقت في الحصول على العفو والأمان لكم من ابن شكبان. وأبارك لكم جميعاً هذا، وأرجو أن تقدروا لي هذه الخدمة في وجدانكم، وأن تحكم عليها ضمائركم، والآن خذوا نساءكم وأولادكم واخرجوا من أبواب القلعة،//84// وانطلقوا إلى أي مكان ترغبون فيه". وكان كلامه هذا مجرد خداع للناس، فصدقه بعض الأهالي الذين كانوا قد نجوا من القتل، وتواروا في بعض المخابئ، واختبأوا فيها، فخرجوا مصطحبين نساءهم وأولادهم، تاركين منازلهم وأموالهم ومتاعهم، وتدافعوا نحو أبواب السور وهم في غاية اليأس والحرمان. إلا أن حراس الأبواب قاموا بتفتيشهم جميعهم، فرداً فرداً، ومن لم يجدوا معه شيئاً من نقود أو متاع، أعادوه على أعقابه، وأصعدوهم على تل مرتفع واسع، محاط من كل أطرافه بالغوغاء المسلحين.
ولا يعلم على وجه الدقة عدد هؤلاء المساكين الضعفاء الذين أصعدوهم فوق التل،//85// إلا أن أكثرهم كانوا من الأطفال والعيال العرايا. ولقد تركوا فوق ذلك التل مدة اثني عشر يوماً بلا طعام أو دواء أو رعاية. وكان كثير من هؤلاء العُزّل من أبناء العائلات الأصيلة والشريفة، ممن عاشوا حياة عزّ ونعيم، فعذبوهم وآذوهم بالسلاح أحياناً، وبالعصي والحجارة أحياناً أخرى.
ولم تهدأ ثائرة هؤلاء بممارسة هذا النوع من قلة الحياء ومن التعسف والجور، وكذلك بقذف الضعفاء بأنواع السباب والشتائم، فأخذوا ينادون على كل واحدٍ منهم على حدة، ويوسعونه ضرباً، ويقبحونه بالسباب، وكل هذا ليدلهم على المكان الذي أخفى فيه أمواله وأشياءه الثمينة. ولما اشتكوا ورفعوا صوتهم، وصرخوا يطلبون العفو والأمان، واسترحموهم، أرسلوا [الحراس] رسلاً إلى ابن شكبان وسعود وعثمان المضايفي، يسـتأذنونهم في قتل الرجال.
بيت من الشعر التركي .
ولقد استمر ابن شكبان الخنزير في محاصرة هؤلاء الأبطال الذين تحصنوا في المباني الشرقية المحكمة والرصينة، مدة اثني عشر يوماً، وضيق عليهم الخناق، ولأنه لم يتمكن من هزيمتهم في الحرب، نادى عليهم وأعطاهم وعداً محكماً، "بأن من يخرج من بيته ويترك سلاحه، سيكون له العفو والأمان". وفي الواقع، فإن هؤلاء المحاصرين لم يعد لديهم شيء من الطعام أو الذخيرة، لذا صدق هؤلاء المظلومون وعد ابن شكبان المكذوب، فتركوا سلاحهم وخرجوا من بيوتهم. ومع الأسف لم يفِ ابن شكبان بوعده، فأرسلهم إلى التل المرتفع، وقد ربطت أيديهم إلى ظهورهم، وفي الأثناء التي سقط فيها هؤلاء المظلومون في فخ ابن شكبان، الظالم الذي لا إيمان له،//87// كان ابن شكبان قد بدأ في قتل كافة من أرسلوا من قبل إلى التل مع أبنائهم ونسائهم، ولم يبق منهم أحد.
وكان من بين الأسرى الذين استسلموا بحيلة ابن شكبان الشيطانية 367 رجلاً، قد أصعدوهم مكبلي الأيدي إلى ظهورهم ومعهم أطفالهم ونساؤهم إلى التل المذكور، وقتلوهم عن بكرة أبيهم. وأما الذين أصعدوهم إلى قمة التل قبل هؤلاء، وقتلوهم، فقد كان أغلبهم لم يمت بعد، بل كان ينازعون، وشبه موتى.
ولقد ترك الأشقياء جثث الموحدين القتلى مدة طويلة ملقاة فوق ذلك التل، تنهشها حيواناتهم، ثم تركوها في العراء طعمة لضواري الحيوان والجوارح من الطير ستة عشر يوماً.//88//وتركت عورات جثث القتلى مكشوفة فوق ذلك التل، وألقيت الجثث فوق بعضها البعض. وأخذ الأشقياء الملاعين يتجولون في منازل القتلى ودورهم، وجمعوا كل ما وجدوه بها من مال وأشياء، وأتوا بها أمام باب السور وكوموها كأنها الجبل. وبعد أن قسموا الخمس من النقود والأشياء الثمينة لسعود التعيس، وزعوا الباقي على الأشقياء.
وحسبما رواه رجل موثوق، فإن ما بقي من المتاع والأشياء المختلفة التي جمعت أمام باب السور، وأصبحت كومة كبيرة، وما لم يتلف من الأمطار ولم تصله يد اللصوص شيء كثير. إلى جانب ذلك، كان هناك مبلغ أربعون ألف ريال، ومقدار كبير لايمكن تخمينه من المتاع والأموال. ولقد وزع مبلغ عشرة آلاف ريال//89// على النساء والبنات. وأما بقية الأشياء الثمينة المغتصبة فقد وزعت على الأشقياء، ثم باعوها في الأسواق والأزقة بأسعار زهيدة.
وما عدا الأواني النحاسية وملابس الجوخ، فلم تثمن بقية الأشياء بأي قيمة من النقود، ولهذا وزع الوهابيون هذه الأشياء النفيسة التي لم تبع بقرش على السائلين من العربان، وتفضلوا بها عليهم، وأبانوا لهم عن كرمهم حسب زعمهم.
وإذا وصلنا إلى موضوع الكتب القيمة، فإن عساكر الأشقياء الملاعين قد نهبوا كل ما وجدوه من كتب نادرة، ولا حصر ولا عدد لها، كانت محفوظة بالمكتبات وخزائن الزوايا والتكايا والبيوت والدور، وهي كتب في علوم التفسير والحديث وسائر العلوم الأخرى. وقاموا بتمزيقها كلها، والقوا بها على الأرض، في احتقار لها.//90// ونزعوا الجلد من على المصاحف الشريفة التي جلدها مذهب ومزين، وصنعوا منها شراكاً لنعالهم ولبسوها في أرجلهم المجيفة، حتى أن هذا الجلد قد نقشت عليه بعض الآيات القرآنية الشريفة والأسماء الحسنى المباركة .
وكانت أرض الطائف المضرجة بالدم قد غطيت بأوراق الكتب الجليلة النفيسة الممزقة، حتى أنه لا يوجد موضع يمكن أن تطأه القدم دون أن تدوس أوراقاً. ولقد تنبه ابن شكبان إلى المصاحف الشريفة، فأصدر تنبيهاً مكتوباً بعدم تمزيق المصاحف كبقية الكتب. لكن هؤلاء الأعراب البدو، خاصة رعاع الوهابيين، لايستطيعون التفريق والتمييز بين المصحف الشريف وغيره من الكتب، فمزقوا كل ما وجدوه من مصاحف شريفة نادرة،//91// وألقوا بها على الأرض، واحتقروها، درجة أن مدينة الطائف على كبرها لم يبق بها سوى ثلاث نسخ من القرآن الكريم، ونسخة واحدة نفيسة من صحيح البخاري.
معجزة جليلة
لقد أقدم العربان الملحدين الحمقى دونما خشية على تمزيق آلاف الكتب القيمة والنادرة المباركة، ومن بينها مصاحف شريفة وتفاسير قيمة وكتب أحاديث جليلة، وألقوا بأوراقها الممزقة على الأرض ليجعلوها تحت أقدامهم. ولكن بمعجزة إلهية، طارت هذه الأوراق، ولم تسقط قطعة منها على الأرض، بالرغم من عدم هبوب أي ريح أثناء تمزيقها.
لقد بقيت جثث الشهداء ستة عشر يوماً ملقاة في العراء //92//على قمة التل، فتعفنت بتأثير حرارة الشمس، وتحللت وحصلت منها روائح جيفة كريهة. فأخذ الناس يرجون ابن شكبان ألف رجاء ويتوسلون إليه ويستعطفونه، حتى أذن لهم فحفروا حفرتين كبيرتين، وألقوا فيها الجثث جميعها، بعضها قد بقي منه النصف، وبعضها بقي منه ربع الجثة. وبعد ذلك هالوا عليها التراب، وأغلقوا الحفرتين.
ولكن بعد فترة، بدأت روائح تعفن أعضاء القتلى التي نهشتها الضواري وحملتها الطيور الجارحة إلى أماكن بعيدة، تصل إلى الوهابيين وتسبب لهم إزعاجاً، فحفرت أيضاً حفرتان كبيرتان، وألقوا فيها ما كان في الأطراف والأكناف من الأعضاء، وما بقي من أكل الحيوانات والطيور الجارحة، ودفنوها في الحفرتين بالتراب.
وكان مقصد الوهابيين الخبثاء من ترك جثث الشهداء//93//في العراء حتى تتحلل أعضاؤها، وتتفسخ بعضها عن بعض، هو وقوع احتقار علني لجثث الشهداء، ولكن، وحسب معنى بيت الشعر [التركي] الذي يقول:" إذا سقطت في الغم فإن ذلك سبب لرفعتك، فالبناء لا يعمّر إلا بعد أن يخرب"، فإن هؤلاء الشهداء الذين تركت أجسادهم مطروحة على تراب الاحتقار والمذلة، لم تنقص مكانتهم ومراتبهم في الآخرة.
وبعد المذبحة التي قام بها جنود الملحدين لأهل الطائف، قسموا ما اغتصبوه منهم من الأموال والأشياء الثمينة، ثم جالوا وسط مقابر الكبار، وبمقتضى مذهبهم الباطل، هدموا كل قبة أو ضريح وجدوه، وهدموا كل القبور وسووها بالأرض. وعقب ذلك تمكن بعض الأهالي ممن نجوا من المذبحة من معرفة الطريق إلى المكان الذي ينزل به رؤساء الوهابيين،//94// فأخرجوهم من قلعة الطائف، وأطلقوا سراحهم، بشرط أن يغادروا إلى المكان الذي يريدونه.
في أثناء قيام خنازير الأشقياء بهدم القباب أرادوا نبش قبر ترجمان القرآن، سيدنا عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب، رضي الله عنهم، واستخراج رفاته النورانية المباركة، وإشعال النار فيها. ولكنهم لما همّوا برفع غطاء الصندوقة الموجودة على الضريح الشريف، انتشرت في المكان رائحة طيبة، وملأت الأرجاء، فارتعبوا وأصابهم الفزع، وتراجعوا وهم يهذون بقولهم:" لابد أن في هذا القبر بشيطان كبير، وبدلاً من تضييع الوقت في نبش القبر، فالأولى أن نشعل النار فيه كما هو على حاله".
//95//ثم فكروا بعد ذلك بإحضار كميات كبيرة من البارود، ونسف القبر المذكور، ولكن بحسب الكرامة الإلهية، فإن البارود لم يشتعل، ولهذا تخلوا عن هذه الفكرة، وصرفوا النظر عن ذلك. وبسبب هذه الحادثة ظل القبر الشريف عدة سنوات بدون صندوقة. وأخيراً، صنع السيد ياسين أفندي، رحمه الله، صندوقة للضريح على سبيل التبرك.
ولقد أراد الوهابيون بنبش قبر السيد عبدالهادي، وسائر قبور كبار أهل الله، ولكن لم تمتد أيديهم إليها بسوء، وذلك بكرامة من هؤلاء الأولياء، واضطروا إلى التخلي عن فكرة النبش وتركوها.
وكان عثمان المضايفي الملعون ومعه ابن شكبان قد أمرا قبل هدم القباب التي تعلو الأضرحة، بتخريب كافة المساجد الشريفة والمدارس بالطائف، وهدمها جميعها. ولكن الشيخ ياسين أفندي، وهو من كبار علماء أهل السنة وأفاضلها، اعترض عليهم وقال لهم:"ماهو غرضكم من تخريب المساجد التي أسست لتؤدى فيها الصلوات مع الجماعة ؟ فإذا كنتم تقولون إن ضريح عبدالله بن عباس موجود به، وتريدون هدم هذا المسجد، فإن القبر يقع في الجانب الأيمن من المسجد الكبير، ويوجد تحت قبة خاصة به، وهذا لا يبرر هدم المسجد". واستطاع ياسين أفندي أن يفحم كلاً من عثمان المضايفي وابن شكبان، ولكن زنديقاً يدعى درويش المطوع تولى الرد،//97// يخاطب ياسين أفندي بسفسطة، فقال:" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ولقد همَ ياسين أفندي، رحمه الله، بالرد عليه، فسأله:" هل يكون في المسجد شك وريبة؟". عند هذا صمت الرجل، وعجز عن الرد طبقاً للحكم الجليل:" فبهت الذي كفر"، وبدأ في إطلاق لسانه بسب ياسين أفندي وشتمه. وبناء على هذا تدخل عثمان المضايفي، ولم يترك مجالاً لمناظرة علمية، وقال:" إننا لن نعمل برأي أي منكما، فاتركوا المسجد، واهدموا القبة التي تعلو ضريح عبدالله بن عباس".
استيلاء الأعداء على مكة المكرمة
وبعد أن أحكم عثمان المضايفي قلعة الطائف وحصنها على الوجه المطلوب، وترك بها//98// مجموعة كافية من الحراس من غوغاء الوهابيين، انطلق للاستيلاء على مكة المكرمة، وساق جنوده إليها حيث التقى مع سعود الموجود في موقع "السيل". وفي تلك الأثناء، وصلت الأخبار بأن والي جدة شريف باشا قد وصل إلى مكة المكرمة ومعه قوافل الحجاج المصريين والشاميين [المحمل المصري والمحمل الشامي]. ولهذا لم يتجرأ سعود على حصار مكة المكرمة، واكتفى فقط بتهددي الشريف غالب. وكان ذلك في عام 1217هـ.
ولقد فزع الشريف غالب فزعاً شديداً من تهديد الوهابيين، ودعا والي جدة وأميري الحج المصري والشامي، وشرح لهم اعتقاده بأن طائفة الخوارج سوف يستولون على مكة المكرمة، وقال:"لو أمددتموني بقليل من المساعدة والدعم،//99// فإنه يمكنني أن أقبض على سعود رئيس الخوارج".
ولكن الشريف غالب، لم يحصل منهم، وبعد سكوت مدة طويلة، على جواب، إلا الرفض من كل منهم، فاضطر إلى تعيين أخيه الشريف عبدالمعين نائباً (قائممقامًا) على إمارته، ثم أحرق قصره الواقع عند سفح جبل أجياد، وأخذ أولاده وأهله، وتوجه إلى جدة. وأرسل الشريف عبدالمعين في سنة 1218هـ، إلى سعود بن عبدالعزيز، عدداً من علماء مكة، وهم: الشيخ محمد طاهر [سنبل]، والسيد محمد أبوبكر الميرغني، والسيد محمد [بن محسن] العكاس، وعبدالحفيظ عجيمي ، يطلب منه العفو والأمان. ولقد قبل سعود رجاء الشريف عبدالمعين والتماسه، واصطحب العلماء المبعوثين المذكورين وأخذ جيشه [غوغاء الوهابية]//100// المحتشد في منطقة "السيل"، وتوجهوا إلى مكة المكرمة. وهناك أقرّ سعود الشريف عبدالمعين في منصبه، قائمقاماً للإمارة، وأمر بهدم القباب والأضرحة الموجودة في مكة وتخريبها. وبهذا دلل على فساده وبغيه. فالوهابيون يعتقدون أن أهالي الحرمين الشريفين يعبدون القباب والقبور من دون الله تعالى، فإذا هدموا تلك القباب وأزالوا جدرانها، تحقق لهم إخراج الناس من دائرة الشرك والكفر، وبذلك يعبدون الله وحده؛ حتى أن إمامهم ابن عبدالوهاب يرى، حسب زعمه الفاسد، أن كل من مات بعد سنة 500 للهجرة، قد مات على الشرك والكفر . ويعتقد الوهابيون أن أحكام الدين الإسلامي الجليلة//101// قد نزلت من الله الرحمن على هذا الخائن الملحد بطريق الوحي والإلهام. ولذلك فهم يعتقدون بعدم جواز دفن المسلمين الذين يموتون بعد ظهور العقيدة الوهابية بجوار الذين ماتوا منذ سنة 500 للهجرة. ولا يرون بأسًا في دفنهم في الأماكن القريبة من قبور المشركين. وبعد أن استولى سعود على مكة أم القرى، توجه إلى جدة، للقبض على الشريف غالب. وبهذه الحيلة يجدها وسيلة سانحة للاستيلاء على قلعة جدة، فساق كتائبه نحو بند جدة المعمورة. وإذا كان قدوم سعود هذا أجبر الشريف غالب على الفرار بالبحر، إلا أن الخيّرين من أقاربه قد شجعوه على التحول//102// عن فكرة الفرار، فاتحد مع والي جدة شريف باشا، وهزما الوهابيين وفرقوهم. ولقد مني سعود بهزيمة منكرة وعاد بفلوله إلى مكة المكرمة، وأقام في مقر الإمارة الفخم، وبدأ يمارس الحكم منه.
وبالرغم من أن الشريف عبدالمعين حاول مداراة رؤساء الأشقياء في الظاهر، من أجل تجنيب أهل مكة مظالمهم، وأظهر لهم الترحيب بهم، إلا أن هؤلاء الملاعين كانوا يزدادون من ساعة إلى أخرى عنادًا وتكبرًا وظلمًا وتعسفًا. وأيقن الشريف عبدالمعين أنه لا مجال للتوافق والامتزاج معهم مستحيل،//103// فلذلك أرسل رجلاً إلى أخيه الشريف غالب يخبره أن سعوداً يقيم في مقر الإمارة، وأن جنود الوهابيين يتمركزون في خيامهم في ساحة المعلاة. وأما هو فقد تحصن في داخل قلعة أجياد، فلو حضر بغتة إلى مكة في فرقة من جنوده، وفاجئهم، فيمكنه القبض على سعود.
وبناء على هذا الخبر، تحرك الشريف غالب ومعه والي جدة شريف باشا، ترافقهما قوة عسكرية كافية من الخيالة، للقبض على سعود. ودون أن يدري أحد، باغت الوهابيين ليلاً في مكة، ثم حاصروا جنودهم المعسكرين في خيامهم في ساحة المعلاة، وأحاطوا بهم من الجهات الأربع، إلا أن سعوداً أفلت منهم، بعد أن كانوا //104//على وشك القبض عليه. وطلبوا العفو والأمان بشرط التخلي عن أسلحتهم. وفعلاً نزعت أسلحتهم، وأخلي سبيلهم للعودة إلى ديارهم. وهكذا استعيدت مكة المكرّمة من أيدي الأعادي. وبعد مرور زمن قصير، اُستعيدت قلعة الطائف أيضًا، وطردت منها فرقة عثمان المضايفي الباغية. ولم يكن استرداد قلعة الطائف بقوة الشريف غالب العسكرية وسطوته، بل بفضل ما قدمه بدو بني ثقيف من طاعة وانقياد للأوامر.

(((((يتبع))))))



  _ رد مع اقتباس
قديم (س 11:23 مساءً) 28/04/2009, رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
نصر
عضو ماسي

الصورة الرمزية نصر




  

 

نصر غير متواجد حالياً


هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

ذلك أن الوهابيين الذين حصلوا على العفو الأمان في مكة، لم يعودوا إلى بلادهم، بل أخذوا يقطعون الطرق، ويمنعون وصول المؤن، وذلك برأي من سعود، وبموافقته. وبناء على هذا، أرسل الشريف غالب//105// بعضاً من رجاله إلى قبائل بني ثقيف، ورجال العربان القاطنين بجوار الطائف، وحثهم على الهجوم على الطائف، وإخراج جماعة عثمان المضايفي من القلعة، ونهب أموالهم ومتاعهم وتوزيعها بين القبائل.
ولقد هرب عثمان المضايفي إلى جبال اليمن بعد الهزيمة النكراء التي مُني بها في الطائف، ولكنه جمع هناك بعض الفلول،//106// وهجم على مكة من جهة الحسينية. وكذلك شن عبدالوهاب أبونقطة الملعون، الذي كان يقود كتائب جيش سعود، هجوماً من جهة السعدية ، ومن الجهات الأخرى، فحاصروا مكة حصارًا شديدًا استمر ثلاثة أشهر، وضيقوا الخناق على الأهالي، فأصابهم عنت شديد.
وفي أثناء مدة الحصار خرج الشريف غالب إلى ساحات الحرب وخاض غمارها خمس أو عشر مرات ، واشتبك مع الوهابيين، إلا أنه كان في كل مرة ينهزم، ويضطر إلى التراجع، ولم تعد لأهل مكة طاقة على الصمود وتحمل ضيق الحصار، ودفع شح المؤن والمواد الغذائية الأهالي إلى درجة أن أقدم بعضهم على أكل بعض.
واستحكم القحط والغلاء في أثناء ذلك الحصار، بحيث وصل سعر أوقية الخبز إلى خمسة ريالات//107// (كان سعر الليرة في مكة مائة قرش، ولكن يتم تداولها بثمانية وعشرين قرشًا). كما ارتفع سعر ما وزنه مائة وأربعين درهماً من الزبد الصافي إلى ريالين. ووصلت الحال إلى أن رؤية وجوه البائعين كانت تحتاج إلى حظ كبير وحسن طالع.
وفي وسط أيام الحصار، أقدم الأهالي على أكل القطط، والكلاب، والحمام، ثم بدأوا بعد ذلك، في سد رمقهم بأكل العشب وأوراق الأشجار. وفي النهاية، لما نفد كل شيء في مكة، عقدت هدنة مع سعود، وافق بموجبها الأهالي على أن يدخل مكة، واشترطوا عليه ألا يظلم فيها أحدًا أو يتعدى عليه.
وعلى الرغم من أن هذه المعاهدة قد وافق عليها الشريف غالب تحت اضطرار حقيقي وإجبار صحيح، ويمكن تلمس العذر له،//108// إلا أنه ارتكب خطأًه السابع عندما غفل عن جلب قوات عسكرية من البدو المنقادين له، وتجهيزهم للمحافظة على طرق مكة ومواردها قبيل الحصار. حتى أن الوفد الذي انتدبه الأهالي لمقابلته، المكوّن من السيد الميرغني، والشيخ محمد العطاس، قد قال له: "ياسيدي إن الأهالي يرجونكم ويقولون إن كان بالإمكان التعجيل في فكّ الحصار والتخفيف عنا، بأن تجلبوا رجالاً من القبائل الموالية لكم واستدعائهم. وإلا، فلنوافق على الصلح. ولكن إذا ما تم جلب قوة من البدو، يمكننا أن نقاوم الوهابيين، ونصمد حتى موسم الحج. وعند ذاك، نتخلص من حصار الاشقياء وتضييقهم علينا بمساعدة قوافل مصر والشام".//109// فرد الشريف غالب عليهم قائلاً:" أعلم إن الأهالي وقعوا تحت الحصار بسبب عدم جلبي البدو قبل المحاصرة، وأما الآن فإن جلب إمدادات ونجدة من الخارج مستحيل، ولو قبلت بالصلح، فلاشك إنني سوف أثير نفور الأهالي وغضبهم عليّ". ولم يكن هذا إلا اعترافًا منه بخطئه الحاصل.
ومع اعترف الشريف غالب بخطئه، إلا أنه لم يكن راغباً في الصلح، ولكن المبعوثين المذكورين قالا له: "لو رغبتم في الصلح، اقتداءً بجدكم الأعظم نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، فسيكون في ذلك اتباعاً للسنة النبوية الشريفة؛ ذلك أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أرسل عثمان بن عفان، رضي الله عنه، من الحديبية إلى مكة لعقد الصلح". ولكن الشريف غالب قابل قولهما بالصمت،//110// وأعاق عقد الصلح وأخّره فترة طويلة، حتى غضب الأهالي منه، وكرهوه. وفي النهاية ضاق الأهالي المحاصرين ذرعاً بحالهم، ومن غدر رجال الشريف ومضايقاتهم لهم، فقرروا مضطرين إلى عرض الوساطة على عثمان المضايفي والالتجاء إليه، وبدأوا يفرون من مكة، واحدًا تلو الآخر. وعلى هذا اضطر الشريف غالب للموافقة على الصلح بإصرار وإلحاح من عبد الرحمن النامي أحد علماء الوهابية الزنادقة.
وكان الشريف غالب يرفض الاستجابة لرجاء علماء أهل السنة له، وذلك من خلال سرده لأفكاره الباردة، ومن قبوله برأي عبدالرحمن بن النامي، وقصده هو تلافي الاصطلاء بنار تعذيب سعود،//111// واستمالة عوام الناس ومجموعات العسكر إليه وكسب مودتهم.

وفي الحقيقة، فإنه في ظل هذا الإصرار، وبحماية ورعاية من عبدالرحمن بن النامي نجا الشريف غالب من غضب سعود وظلمه، فعفي عنه وأعاد له اعتباره. ومن ناحية أخرى، بدأ الشريف يردد قوله: "لقد وافقت على الصلح مكرهاً، ولم أكن أفكر في الصلح حتى موسم الحج". وبهذا كسب العوام ومجموعات العسكر العسكريين إلى صفه.
وبموجب هذا الصلح الضار، دخل سعود بن عبدالعزيز إلى مكة المكرمة، وكسا الكعبة بكسوة مصنوعة من قماش العباءة العادي ، فكسب بهذا ودّ عربان بادية الحجاز واستمالهم، وأسقط كل نفوذ واعتبار كان للشريف غالب عندهم. ولما ازداد تفرد سعود وسطوته وشوكته في بلد الله الحرام،//112// بدأ يعاند ويتمرد، كالنمروذ وفرعون، وأحدث أنواعًا من الظلم والتعدي مالا يتخيله عقل أو خيال.
وكان الشريف غالب متأثرًا من عدم وصول إمدادات من عاصمة السلطنة [العثمانية]،//61// وبدأ ينشر بين الأهالي مقولة :"إن السبب في سيطرة الوهابيين على منطقة الحجاز، ووقوع أهالي الحرمين أسرى للمتمردين، هو إهمال وزراء الدولة العثمانية". وكان يهدف من وراء هذه الأقاويل، تنفير الناس من الدولة العثمانية. ولكي يحث الدولة ويجذب انتباهها كان يحرض سعود بن عبدالعزيز على أن يسد أبواب الحج أمام قوافل مصر والشام، ويدفعه إلى قطع طرق الموارد والمؤن.
ولا شك أن إلحاح الشريف غالب المتواصل على ذلك، تسبب في زيادة غدر سعود بن عبدالعزيز وتعسفه، بدرجة فوق الاحتمال،//113// حتى أنه قتل كثيرًا من علماء أهل السنّة الكبار بغير حق، وصلب العديد من الأشراف والأعيان وأعدمهم بلا مبرر، وهدّد كل من أصرّ على الثبات والتمسك بدين الإسلام. وكان يبعث بالمنادين إلى الأسواق والشوارع والأحياء، يدعون الناس إلى مذهب محمد بن عبدالوهاب الباطل، بقولهم:"ادخلوا في دين سعود، وتظللوا بظله الممدود". وبناء على ذلك، رأى الشريف غالب تناقص عدد القابضين على دينهم ومذهبهم، لا في البوادي فحسب، بل في مكة أيضًا، وأيقن أن الإسلام سيقضى عليه وسينتفي من الحجاز، بدأ يهدد سعوداً بقوله: "لو بقيت في مكة إلى ما بعد موسم الحج، فإنك لن تصمد أمام مقاومة الجيش المقرر وصوله من إسطنبول، وسيُقبض عليك، وستُقتل لا محالة.//114// وما أراه، هو ألا تلق بنفسك في خطر كهذا، فعليك بالرحيل عن مكة بعد الحج". ولكن نصائحه هذه، لم يخفف من وطأة ظلم سعود، بل كان سبباً في زيادة كبريائه وعنته.

حادثة غريبة
في تلك الأثناء، استدعى سعود بن عبدالعزيز رجلاً ممن يؤمل فيهم الخير والصلاح، وسأله: "هل محمد عليه السلام حيّ في قبره؟ أم أنه ميّت، حسبن اعتقادنا نحن، واعتقاد سائر الناس؟" فأجابه بالجواب الصائب: "بل هو حيّ في قبره".
وكان الغرض من سؤال المعلون ذاك، هو إيجاد مبرر //115//لقتل ذلك الشخص الصالح. وكان من المستحيل على الشخص المسؤول أن يوفق إلى جواب يقنع الوهابيين، حسب مزاعمهم، وبهذا يكون سعود قد أخذ رأي عوام أهل مكة وموافقتهم على قتله بما يشاء من أنواع التعذيب، فخاطب الرجل قائلاً: "عليك أن تأتي بدليل قاطع على أن الرسول،[صلى الله عليه وسلم]، حيّ في قبره، فنسلم جميعاً بهذا الدليل. ولو أثبت ادعاءك بدليل يمكن تأويله وتحريفه، سيعدّ دليلك غير موافق للدين الحق، وحجتك واهية، ولهذا سأقتلك ". فرد عليه المذكور قائلاً: "لا أريد أن آتي لك بدليل من الخارج، فأخدعك. تفضّل معي ولنذهب سوياً إلى دار هجرة صاحب الرسالة [المدينة المنورة]، ولنقف أمام نافذة حجرته المطهرة، فأسلّم أنا عليه.//116// ولو جاء الرد على سلامي، فأنت مجبر عندئذٍ على التصديق بالفعل، وفي هذا إثبات أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيّ في قبره حياة معنوية. ولو لم يردّ على سلامي، فأنا عند ذاك أكون كاذباً، ولك أن تقتلني بأي شكل جزاءً لي." وبعدما سمع سعود هذا الجواب أطلق سراحه.
واستشاط سعود غضباً من هذا الجواب المُفحِم، ولكنه كظم غيظه في ذلك المجلس؛ لأنه لم تكن لديه قدرة علمية مقنعة لمخاطبه. وبعد أيام قليلة كلّف أحد الوهابيين بقتل ذلك الرجل الصالح، وقال له: "يجب قتل ذلك الرجل مهما كانت الظروف. وفي ساعة إنجازك المهمة تعال إلي، وأخبرني".
و بمقتضى الحكمة الإلهية، لم يتمكن الرجل الوهابي، من إلحاق الأذى بذلك الإنسان الصالح،//117// فشاع الأمر بين الناس، وأخبروا ذلك الرجل الكريم، وحذروه. ولما أدرك الرجل العزيز أنه لا يمكنه الإقامة في مكة، اضطر إلى الهجرة.
وعلم سعود بخروج ذلك الرجل المبارك من مكة، فأرسل وراءه جلاداً من البدو، الذي أسرع في تعقبه، وهو يظن أنه يسعى في عمل الخير، وتعقبه حتى لحق به، ولكن المنية وافته في اللحظة التي أدركه فيها البدوي. وربط البدوي بعير الرجل المتوفى في شجرة، وذهب إلى أحد الأودية المجاورة ليحضر ماءً لغسل الرجل وتكفينه ويعجل في دفنه حسب القاعدة. فلما عاد بعد ثلاث أو أربع دقائق//118// لم يجد في ذلك المكان سوى البعير، فتحير من هذا الأمر. وعاد إلى مكة، وأخبر سعوداً بما حدث، فرد عليه سعود قائلاً: "أجل، أجل ... لقد رأيت ذلك الرجل في المنام وهو يرفع إلى السماء وسط التسبيح والدعاء، حتى أنه في أثناء رفع جسده إلى السماء وسط التسبيح والدعاء، كان بعض الملائكة، من ذوي الوجوه النيرة، ينادون:"إن هذه جنازة الشخص الفلاني، وبفضل حسن اتباعه للنبي، صلى الله عليه وسلم، وباعتقاده الصحيح رفع إلى السماء جزاءً خاصاً له". فلما سمع البدوي هذا الجواب من سعود، قال: "عجيب أمرك!، ترسلني لقتل رجل جليل القدر كهذا،//119//رغم أنك رأيت رأي العين إحسان الله إليه ولطفه به، فلم لا تصحح اعتقادك ؟" وبعد هذا العتاب واللوم، سبّ الرجل سعوداً وشتمه، ولكن سعوداً لم يعر سمعه إلى ما قاله البدوي.
وعيّن سعود عثمان المضايفي واليًا على مكة، وانسحب عائداً إلى الدرعية.
وهناك، قدم العلماء الزنادقة رسائل التبريك ودبجوا قصائد المديح والثناء على سعود لاستيلائه على مكة المكرمة، مما زاد في تجبره واستكباره، ورفض الترحم على عظام رجال السلف، ورتب الفرق والعصابات وجهزها، وأرسلها إلى الحجاز واليمن، فأنزلت العذاب والظلم والتعدي بأهالي القرى والنواحي، ونشر دائرة فساده وإباحيته. وتوالت قصائد النصر والظفر شيئاً فشيئاً،//120// فازداد غروره، ولحق المسلمين منه كل ألوان الجبر والاعتساف.
وكان محمد بن أحمد الحفظي من أعلم علماء طائفة الزنادقة، ولقد نظم قصيدة بليغة يمدح فيها انتصارات سعود المتوالية. وكانت هذه القصيدة أبلغ من كل ما نظم من شعر، فقد تضمنت خاصة ذمّاً لعلماء أهل السنة، وتهجوهم، وهذا ما دفع أهل السنة لنظم قصيدة نظيرة لها، وعرضوا فيها بالديانة الباطلة التي ابتدعها ابن عبدالوهاب. وإذا ما وقعت واحدة من هذه القصائد المناظرة في يد سعود القذرة، استشاط الخنزير غضباً وغيظاً، وازدادت سورته وبلغت مبلغها، لدرجة أنه اعتاد قتل وإعدام كل من تضبط بيده هذه القصيدة من الموحدين، دون مساءلة. وبعد أن عهد بالمناصب الوهابية العالية إلى كل من ألحق الظلم والغدر بعلماء الموحدين، وبعد أن أخضع كل قبائل العربان في صحاري وبوادي مكة المكرمة، وأدخلها تحت طاعته، أمر بأن يدخل البدو في نواحي المدينة المنورة تحت قيادته ليكونوا ضحية له، وأرسل بداي بن بدوي وأخاه بادي بن بدوي، الملعونين، ويقود كل منهما فرقة من الرعاع إلى دار الهجرة [المدينة المنورة].
استيلاء الوهابيين على بلدة الرسول المدينة المنورة
تمكن بداي بن بدوي الملعون وأخوه بادي من تحقيق الانتصارات المتوالية وتضييق الخناق على رجال قبائل العربان النازلة بأطراف المدينة البلدة الطيبة،//122//وأدخلهم تحت طاعته وانقادوا له، ونشر بينهم أحكام ديانة ابن عبدالوهاب المبتدعة، وأضلهم جميعاً وأغواهم، ثم أخبر سعوداً بذلك، فأرسل سعود الكتاب الآتي صورته، وحرره بأسلوب كله ضلال، يدعو فيه أهل المدينة المنورة إلى المذهب الوهابي، وطلب منهم الرد عليه. وأرسل سعود هذا الكتاب مع أحد الوهابيين يدعى صالح بن صالح .
وبالرغم من أن بداي بن بدوي وأخاه بادي الملعونين قد نجحا في الواقع في إخضاع عربان دار الهجرة (المدينة المنورة) لطاعة سعود، إلا أنهما لكي يحققا هذا النجاح، قد أغارا على القرى وأحرقاها وهدماها،//123// ونهبا الأموال والمتاع، ووضعا السيف ظلماً وغدراً في كل من تردد في الدخول في الديانة الوهابية من العزل، مما لايدخل تحت حصر أو حد.
صورة الخطاب الذي كتبه سعود ووجهه إلى أهالي المدينة المنورة
بسم الله مالك يوم الدين، أُنهي إلى جناب أهل المدينة كافة الكواخي والعلماء والأغوات والتجار والعامة،
سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:
فإني أدعوكم بدعوة الإسلام، كما قال الله تعالى:"إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام ديناُ فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين" وأنتم خابرون من أحوالكم عندنا ود فإنا لكم//124// لأجل مجاورة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ودنا بأمر يضركم، ويضيق عليكم، وهذا ولأتيت بيت الله وحرمه يوم انقادوا ما شافوا منا إلا الإكرام، ونحن قادمون عليكم لزيارة حرم الرسول، فإن أجبتم بأمان الله، ووجهي وذمتي على جميع التعدي، لا على دم ولا مال. وردوا لنا الجواب، ورجالي صالح بن صالح، والجواب على لسانه، والسلام.
ترجمة الخطاب المذكور إلى اللغة التركية:
//125-126//
//126//ولقد أفزع المدينة المنورة هذا الخطاب الذي حمله إليهم صالح بن صالح، وجعلهم في حالة من الخوف والرهبة. فأخبار ما جرى في حادثة الطائف الأليمة، قد أصابت جموع الموحدين بالقنوط واليأس والحيرة، ولهذا لم يرسلوا لها جواباً، لا بالإيجاب ولا بالنفي.
ولما لم يصل إلى سعود ردٌّ على كتابه من أهالي المدينة المنورة، سار بداي الملعون إلى دار السكينة المدينة المنورة لمحاصرتها، بعد أن استولى في أواسط تلك السنة على ينبع البحر،//127//وهاجم المدينة بشكل عنيف من جهة باب العنبرية، ولكن لأن أمير قافلة الحج الشامي عبدالله باشا العظم كان قد وصل إلى المدينة المنورة ، فقد واجهت جنوده وجموع الحجاج المرافقين له فرقة الأشقياء، وحاربوهم ببسالة لمدة ساعتين، فانهزمت فرقة بداي بن بدوي الباغية، وهلك منهم مائتا وهابي.
ونجح عبدالله باشا في تأمين أهل المدينة المنورة ضد هجمات الوهابيين إلى درجة ما، وذلك حتى انتهاء موسم الحج وإسقاط الفريضة، والعودة للزيارة. ولكن لم تكد قافلة الحج الشامي تبتعد عن المدينة المنورة حتى حاصر بداي بن بدوي قلعة دار الهجرة العلية، واستولى على قرى قباء، والعوالي وقربان//128//وبنى قلعتين (حاميتين) محكمتين، وعين بهما حراساً حماة، وقام بقطع طرق الإمدادات والذخيرة والمؤن ومعابرها، ثم خرب مجرى العين الزرقاء وهدمها، وبهذا ترك أهل المدينة يعانون العطش والقحط والغلاء.
معجزة جليلة
لما هدم بداي بن بدوي مجرى العين الزرقاء، وترك أهل المدينة عرضة للعطش، تحول ماء البئر الموجودة في حديقة رسول الله، داخل حرم المسجد النبوي الشريف، إلى مياه عذبة، وقد كانت منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم مالحة أجاج. وحلت بمائها عذوبة ورقة متناهية، فأروت أهالي المدينة كافة ولبت حاجتهم من الماء طوال مدة الحصار.
//129//قد طالت أيام الحصار، وكان أهالي المدينة المحاصرين يعلقون آمالهم على عودة المحمل الشامي من مكة، فيدفع رجاله عنهم شر الوهابيين ويطردونهم، ولكن لما عاد المحمل الشامي، وتعلل أمير الحج الشامي، قطير آغاسي إبراهيم باشا، بأنه لايملك من القوة العسكرية ما يمكنه من مواجهة جماعة بداي بن بدوي، وقال لهم:" يجب عليكم أن تسلموا قلعة المدينة للوهابيين". ولأن إبراهيم باشا قد تباحث مع بداي بن بدوي، فاعتقد أهل المدينة أنه حصل منه على العفو والأمان لسكان دار السكينة.
ولهذا كتبوا الخطاب الآتي إلى سعود، وبعثوه مع وفدهم، المكون من: محمد الطيار، وحسن قلعي جاووش، وعبدالقادر إلياس وعلي الصويغ.
//130// صورة الخطاب الذي وجهه أهالي المدينة المنورة إلى سعود
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، نهدي أشرف السلام ورحمة الله وبركاته إلى جناب الشيخ سعود وفقه الله لما يرضيه، وسلك بتأويه سبل مراضيه، وبعد:
لايخفاك أنه لما وصل أمير الحاج إبراهيم باشا قطير آغاسي ورأى الشيخ بداي محاصر المدينة، قطع عنها السبيل، فخاطبه في ذلك، فأخبر بأنه مأمور منك بذلك، وإنك ما تريد لجوار النبي صلى الله عليه وسلم إلا بخير، فاستحسنا أن تعرف جنابك، فاجتمع حكام البلدة وأعيانها، واختاروا من أهل العقل والأمانة//131//أربعة اشخاص، فوجهت إليك هم: محمد طيار، والجاوش حسن قلعي، وعبدالقادر إلياس وعلي الصويغ. ونرجو الله إنهم لا يرجعون إلا بما يسرنا من جوابك، إن شاء الله تعالى.
ترجمة الخطاب المذكور إلى اللغة التركية
//132//ولقد أدرك مبعوثو أهل المدينة مدى غيظ سعود وحقده المعروف على ساكني دار الهجرة، وذلك من الحدة والشدة في كلامه وحديثه، فطرحوا أنفسهم عند قدميه النجستين، واسترحموه وتوسلوا إليه بكل أنواع الاستعطاف//133// ليعطيهم العفو والأمان. ولم يحصلوا من سعود على جوابٍ شاف، بل قال لهم:" لقد فهمت من فحوى هذا الخطاب أنكم لم تدخلوا في الدين الحق، ولم تدخلوا في طاعتي، ولكنكم لما نزل بكم القحط والغلاء والعطش، وأردتم فك الحصار ودفع الضيق عنكم، أظهرتم المدارة والمداهنة. لكن لا سبيل أمامك للحصول على العفو والأمان إلا بقبول الشروط التي سأقترحها. فإذا قبلتم هذه الشروط، ثم اتخذتم تصرفاً أو فكراً مخالفاً لأفكاري ورأيي، فسوف أستأصلكم كما حصل لأهل الطائف".
واضطروا أمام هذا إلى قبول شروط سعود بن عبدالعزيز القاسية//134//. وهذه هي الشروط التي اقترحها سعود:
المادة الأولى: يجب عليكم عبادة الله تعالى وطاعته حسب اعتقاد الوهابيين وأخكامهم.
المادة الثانية: التصديق بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، وإظهار الحرمة والتعظيم له على الشكل والصورة التي بينها وحددها إمام المذهب الوهابي.
المادة الثالثة: هدم كافة القبور والأضرحة، سواء في داخل المدينة المنورة أو في نواحيها وأطرافها، وإزالتها سواء كانت عليها قبة أو لا قبة عليها، وتترك كأنها قبر عادي. أي بعد أن تهدم المباني والقباب، ترفع ما على الأضرحة من الصناديق والأغطية، ويهال عليها التراب والحصى.
//135//المادة الرابعة:على كل شخص أن يرجع عن دين آبائه وأجداده ومذهبهم، ويدخل في دين الوهابيين وعقيدتهم، وأن يعمل بعد ذلك بأحكام الديانة الوهابية.
المادة الخامسة: التصديق بأن محمد بن عبدالوهاب ملهم من الله الرحمن، والإيمان بصحة وصدق مذهبه وديانته، والاعتراف بابن عبدالوهاب مجدداً للدين والمذهب.
المادة السادسة: إظهار الشدة والإنكار والغيظ على من لايدخلون في دين الوهابيين وعقيدتهم، أي الذين يثبتون على دين آبائهم وأجدادهم، والتضييق عليهم ومجافاتهم، وإهانتهم وتحقيرهم.
المادة السابعة: إخبار أمراء الوهابيين عن علماء الإتلاف الذين يأبون الدخول في الدين الوهابي، أو أماكن العلماء الذين يختفون في بيوتهم ومنازلهم.
//136//المادة الثامنة: الموافقة على دخول الوهابيين إلى القلعة التي يعينون حراساً حماة عليها.
المادة التاسعة: قبول أي أوامر أو نواه تنشر وتعلن، سواء كانت سياسية [إدارية] أو دينية، مهما كانت مهمة ومشكلة، والعمل بموجبها بخلوص قلب، والقيام بحق الأمراء الوهابيين من الرعاية والاحترام الفائقين.
ولقد قبل مبعوثو أهل المدينة شروط سعود هذه، وحصلوا منه على الأمان، ثم عادوا. ولأن المحاصرين أيضاً كانوا اضطروا للموافقة، فقد بادر إلى إدارة القلعة سبعون رجلاً من الوهابيين، أرسلهم بداي بن بدوي.//137// كما سارع الأهالي من جانبهم إلى التقيد بأحكام المعاهدة وسائر شروطها. وبالرغم من ذلك فلم يتخلصوا من وقوع الظلم والتعدي عليهم، حتى قبلوا مذهب الرفض والإلحاد ودخلوا فيه.
وفي الواقع، فإن الأهالي العزل لم يكونوا جادين في قبولهم بمذهب الرفض والإلحاد، إلا أن هذا القبول الظاهري قد جرّ عليهم بعد ذلك عواقب وخيمة جداً.
ولقد بقي هؤلاء الأهالي، الذين لاحول لهم ولاقوة، يرددون القول بأن" الشريف غالب قد أعلم الباب السلطاني العالي بالأمر، ولابد أن ترسل عاصمة الخلافة الإسلامية جنوداً لخلاصهم"، وظلوا مدة ثلاث سنوات يرزحون تحت حصار الوهابيين، ذاقوا فيها كل ألوان الظلم والجور والإهانة مما لايتحمله أحد، ولم يصدر منهم صوت أو كلمة. ولكن في ظرف هذه المدة، لم يأتهم من إسطنبول خبر يسليهم أو يخفف عنهم، ناهيك عن أن يأتيهم جنود،//138// فتخابروا مع الشريف غالب، وقرروا عرض الأمر من جانبهم على مقام الخلافة، بإرسال وفد يطلب الاسترحام والاستعطاف منها. واستودعوا عريضة الاسترحام والاستغاثة التي كتبوها الوفد المكون من المفتي السابق أبي السعود أفندي الشيرواني، وحسين أفندي سيد زين البرزنجي من أعيان السادات، وأحمد إلياس أفندي. فسافر الوفد سراً إلى إسطنبول.
ولقد شرح الشريف غالب في رسائله، سواء التي أرسلها مع هؤلاء المبعوثين، أو التي بعث بها سابقاً، بالتفصيل الأفكار الفاسدة لطائفة الوهابية الباغية، وعرضها على مقام الخلافة بتعمق. ولقد أطلع المبعوثون عند وصولهم إلى إسطنبول الوزراء على الوضع، وطلبوا منهم، كل واحد على حدة، العون والمدد، وبينوا لهم أنه: "إذا تقاعستم هذه السنة أيضاً عن معاونة أهالي المدينة المنورة، وتراخيتم في دعمهم، وتسامحتم مع الوهابيين،//139// فإن أبواب الحج والزيارة ستوصد". ولكن حسب معنى بيت الشعر القائل:" يجب أن يكون السلطان عالماً بالأحوال، فلا يأتي خير من الأمور التي تسند إلى الوزراء"، فقد صرفوا الوفد القادم من المدينة، كما صرفوا الشريف غالب من قبل وماطلوه، وأجاب بعض الوزراء بقولهم:" سوف نرسل إلى المسؤولين المكلفين للتحقيق في الموضوع"، وقال آخر:" سوف نرسل الأوامر إلى واليي مصر والشام لإظهار القوة العسكرية في هذه المسألة".
ولقد عاد المبعوثون وهم في غاية اليأس والإحباط والحرمان، ولشدة ما شعروا به من الاضطراب والضرر، أصابهم المرض وهم في طريق العودة، وتوفوا، ولم يبق منهم سوى أحمد إلياس أفندي,
//140//ولما وصل مفتي زاده أحمد إلياس أفندي، الذي أفلت من أظفار المنية، إلى المدينة المنورة، وهو في حالة سيئة، بيّن للأهالي أن إسطنبول لن ترسل أي قوات عسكرية في المدى القريب. وكان الأهالي كلهم قد غرقوا أصلاً في بحر اليأس والغم. وبعد تفكير عميق وبحث الأمر من كل جوانبه، كتبوا عريضة وأرسلوها لسعود بن عبدالعزيز، هذه صورتها:
عريضة أهل المدينة المنورة
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الستار، والصلاة والسلام على نبيه المختار وعلى آله وأصحابه الأبرار، نهدي//141// أشرف السلام وأسنى التحيات الكرام إلى صاحب الدعوة النجدية، أمير الدرعية المشمول بالفخر والعزّ الأمير سعود بن عبدالعزيز،
أما بعد: فقد أمرتنا بتوحيد الله واتباع سنة رسول الله، والقيام بفعل الطاعات، والاجتناب عن فعل المحرمات، فهذا أمر منك مقبول، حيث إن فيه اتباع الرسول. وأمرتنا بهدم القباب التي فوق القبور، فهدمناها مراعاة للحديث المشهور. وكلما صدر منك الأمر فيمضي حكمه على رغم أنف زيد وعمرو، والمأمول منك صرف النظر عن من أتى إليك عنا بخبر، ولاتسمع لناقل عنا خبر ولا مقال، إلا إذا كان عن صحة واستدلال، فإن من نمّ لك، نمّ عليك. وهذا جوابنا المرسول إليك، فاعتمد عليه غاية الاعتماد، ونسألك سبل الرشاد. واعلم أن بداي بن//142//مضيان استولى على مياه السيل بطريق العدوان، وادعى إنك قد أمرت بهذا، وهو مأمور وأنت لاترضى هذه الأمور. والحال قد صار علينا موقوف بداعي حجزه لأموالنا بالخيوف. وليس خاف على علمك الصحيح الفاخر ما هو لنا من البضايع والمهاجر. ونحن جيران رسول الله الكريم، المبادرون للأمر والتسليم. وقد أرسلنا لك من هذا الطرف فائدة الجواب، صحابة الجاوشية وحسين شاكر ومحمد شعاب. فبعد الوصول إليك، ينفي الإفادة عما به يكون الاستغناء عن الإعادة.
ترجمة الخطاب المذكور إلى اللغة التركية .
//143-144//
//145//وإذا كانت عريضة أهل المدينة قد وصلت إلى سعود بن عبدالعزيز، فإن الدرعية كانت على علم برسائل الشريف غالب التي أرسلها من قبل، وعريضة الاسترحام التي بعث بها أهل المدينة إلى إسطنبول مع مبعوثيهم. وعدّت الدرعية أن هذه الرسالة هي تأكيد لصحة الأخبار التي وصلتها، ولهذا لم يستقبل سعود وفد المدينة المنورة، وكتب أوامر عديدة لتوحيد قبائل العربان على أفكاره الباغية،//146// ووقعها بتوقيع "إمام الدرعية المجدية وحاكم الدعوة النجدية" ، وأرسل كل منها مع مباشر[مُحضِر] وهابي ظالم إلى شيوخ قبائل العربان الحمقى، يدعوه للقدوم إلى بلدة الدرعية. وعلى النحو جمع غوغاء يزيد عددهم عن عدد رمال الصحراء، لتذهب أرواحهم إلى الجحيم، وجهزهم وحشدهم للغزو، وأوعز لهم أن يلقبوه بلقب" سلطان منطقة نجد". وأرسل رسائل خاصة إلى قاضي اليمن يخاطبه فيها بلهجة الأمر، ليحض أهالي البلاد اليمانية على الدخول في الدين الوهابي. وأرفق طي تلك الرسائل قصيدة علامة الشرك محمد بن أحمد الحفظي الخبيث، التي تعجّ بالزور والبهتان، وأشاد فيها بعقيدة الوهابيين الإلحادية، وذم فيها علماء أهل السنة.
//147//ولكن قاضي اليمن كان رجلاً فاضلاً وصاحب دين، فردّ عليه بأن نظم قصيدة نظيرة لقصيدة محمد بن أحمد الحفظي الوقحة، كفّر فيها سعود المعلون المردود وأتباع مذهبه. واستشاط سعود بن عبدالعزيز غضباً من هذا الجواب الصائب المستطاب، واحتد وهاج حتى تحول إلى كلب مسعور. ولهذا اتجه هذا الملعون لزيادة الضغط والأذية والتضييق على أهل المدينة المنورة الذين يرزحون تحت الحصار منذ ثلاث سنوات،
وتحملوا كل أصناف الظلم، وضاقت عليهم أنفسهم، وكل ذلك على رجاء أن ينقذوا أولادهم ونسائهم على أضعف الإيمان، وتعلقوا بأهداب الأمل في الحصول على العفو والأمان. وفي يوم ووصله إلى المدينة أمر بهدم بقية الأضرحة المنيفة وتخريبها.//148// وكانت من جملة أوامر سعود أن يقوم خادم الضريح بهدم قبته، ولهذا بادر خدام الأضرحة طوعاً أو كرهاً بهدم القباب التي تعلوها. ولكن خدام ضريح سيدنا حمزة، رضي الله عنه، اعتذروا لسعود بقولهم:" نحن ضعاف وكبار في السن، ونعجز عن هدم هذه القبة الشريفة، فتوجه بنفسه ومعه خاصة عبيده لهدم ذلك الضريح بالذات، وأمر أحد رعاع الوهابية الملاعين، وأحبهم إليه، يعلم أنه يعادل فرقة كبيرة من الرجال في الشجاعة، وأمره بالصعود إلى أعلى القبة الشريفة، ومعه معول وجاروف. //149//وامتثل هذا الأحمق للأمر بقوله:" على الرأس يا سيدي وسندي"، وصعد على القبة الشريفة، وضرب بالمعول علم القبة [الهلال الموجود في أعلى القبة) ضربة قوية، إلا أن المعول طار من يده، وأسقط معه هذا الأحمق على الأرض، فصرع الوهابي بعد أن تناثر جسده إرباً إرباً. ولما رأى سعود هذا، تخلى عن هدم القبة، واكتفى بحرق بابها، وأبان عن دناءته وحقارته.
وبعد ذلك، جمع سعود أهالي المدينة، رجالاً ونساءً في ساحة المناخة، وأغلق باب القلعة، واعتلى كرسياً [منبراً] مرتفعاً، أعدّ خصيصاً له، وخاطب الناس بصوت مرتفع قائلاً:" يا أهل المدينة، أنا لست مطمئناً إليكم وغير واثق بكم، ويبدو لي أنكم تنوون الثبات على دين الإسلام، ولا تريدون الدخول في العقيدة الصحيحة وهي الديانة الوهابية. فأنتم منافقون//150// ولاتظهر على وجه أي منكم لمعة نور الهداية، وتفكرون في البقاء على شرككم القديم. ولقد أعطيت أوامر مشددة من أجل جلب حراسكم الموجودين في القلعة إلى هنا، فإذا ظهرت منكم مخالفة لأوامري وطاعتي، فاعلموا علم اليقين إنني قد قررت أن أطبق عليكم أيضاً ما ... أن أجريته على أهل الطائف من العدالة المذهيبة".
ولكي يجمع أهالي المدينة بأولادهم وعيالهم ونسائهم في ساحة المناخة، أرسل المنادين في الأسواق والمتاجر وبين الأحياء والمحلات، ينادون في الناس، وأغلق أبواب القلعة. وفي تلك الساعة، ظن الأهالي أنه سيُعمل السيف في رقابهم عن بكرة أبيهم، كما فعل مع أهالي الطائف. فقام كل شخص يقبل فلذة كبده وحبيبه بين جبينه، وودع الرجل زوجته،//151//واجتمعوا في ساحة المناخة، وصف الرجال في ناحية والنساء، في ناحية أخرى، وتحلل كل واحد من صاحبه وتوادعوا. ثم وجهوا وجهوهم نحو القبة النبوية الشريفة، وهم منكسو الرؤوس. ولذا، فلم تر المدينة المنورة حتى تلك الساعة يوماً أسود من ذلك اليوم.
وأخرج سعود حراس القلعة المحليين الموجودين بداخلها، ووضع بدلاً منهم حراساً من الوهابيين. وعين أحد سكان المدينة المنورة والياً عليها، واسمه حسن قلعي جاووشي، وكان يثق به، ويعتمد عليه في كل أمر. كما نصبه قائداً للقلعة وآمراً للوهابيين. وألبسه خلعة من قماش العباءة الحساوي الغليظ، لاتساوي سوى خمسة ريالات. وبعد ذلك عاد سعود إلى الدرعية.
وبعد مرور فترة من الزمن فكر سعود المردود في التوجه إلى مكة المكرمة//152// لأداء الحج، فأعلن جماعات الوهابيين الذين يريدون إسقاط فريضة الحج، وخاصة العلماء الزنادقة الراغبين في نشر مذهبه وديانته في المسجد الحرام، وأمرهم أن يتحركوا شيئاً فشيئاً، وفرقة فرقة إلى مكة المكرمة. وتحرك رعاع الوهابيين، الذين لا يُعلم عددهم على وجه اليقين، بعضهم خيالة، وبعضهم راجلة ومشاة، قاصدين مكة المكرمة. ولما وصل علماؤهم الزنادقة إلى مكة المكرمة، بدأوا في تدريس الرسالة التي ألّفها ابن عبدالوهاب، حول مذهبه، وقرأوها على الملأ ودرسوها علانية في ساحة المسجد الحرام، مدة عشرة أيام. وحاولوا جهدهم إفهام رجال قبائل البادية مسائل ديانتهم الباطلة، مسائل الرفض والإلحاد، ومستخدمين عبارات تناسب عقول الأعراب.
وبعد ذلك//153// وصل سعود بن عبدالعزيز إلى مكة، واتخذ من بيت الشريف غالب، الواقع في جهة المعلاة، مقراً لإقامته الشقية، وحولها إلى ما يشبه دير اليهود. وألبس الشريف غالب مشلحاً في مجاملة خاصة له، وبايعه الشريف غالب، وأبدى من جانبه الاستئناس به.
وبعد أن بايع الشريف غالب الوهابيين، ذهب في اليوم التالي مع سعود بن عبدالعزيز إلى المسجد الحرام، وطافا معاً حول الكعبة المشرفة، وأعطيا مشلحًا لكل واحد من القضاة الأربعة، ولخدام المسجد الحرام من ذوي الشأن والمكانة من رجال القبائل، ووزعا أعطية قدرها خمسة وعشرون قرشًا.
//154//وفي ذلك الوقت، وصلت قافلة حجاج الشام إلى المدينة المنورة، في 22 ذي القعدة سنة 1222هـ. ولكنها لم تتمكن من الدخول إليها، فحطّت رحالها بمنزل على بعد ثلاث ساعات من المدينة. ومن شدة الخوف والرعب لم تجر العادات المتبعة في المحمل من الزمر ودق الطبول، واكتفي بقاعدة إطلاق طلقة من المدفع للإعلان عن الرحيل والنزول. وثم توجهت القافلة بدلالة صالح بن صالح إلى أم القرى، مكة المكرمة. وصالح بن صالح هذا وهابي طالح، بعثه سعود إلى الشام ليصاحب المحمل الشامي ويرافقه. وعقب قيام قافلة المحمل الشامي من ذاك المحل الذي نزلت به، قام مسعود بن مضيان وهو أحد رؤساء الوهابيين بالمدينة، بتعقب القافلة حتى لحق بها عند موضع قريب من مكة يسمى"القيب "، //155//وقال لهم:" إنكم خالفتم شروط المعاهدة المعقودة معكم. ومعكم أيضاً عساكر، بالرغم من أن الأوامر التي أرسلها سعود بن عبدالعزيز مع صالح بن صالح تقضي بقدومكم بدون عساكر. ومادمت خالفتم إرادة سعود وأوامره فأنتم ممنوعون من دخول مكة". وحصل أمير الحج يوسف باشا على إذن بالذهاب إلى مكة المكرمة بمفرده لاطلاع سعود على الأمر وإخباره بما حصل، وأيضاً يؤدي فريضة حجه. وهناك شرح الوضع لسعود الذي رد على كلامه بهذا الكلام غير الصائب:"لولا أن الخوف من الله يمنعني، لقتلتكم جميعاً. ويجب عليك أن تسلمنا الصرة المعتادة التي أتيت بها لأهالي الحرمين وعربان البادية، وأن تعود أدراجك، فلقد منعتكم من الحج والطواف//156// هذه السنة". فسلم يوسف باشا الصرة السلطانية وعاد من حيث أتى.
لقد كان الشريف غالب وراء منع سعود قافلة حجاج الشام من أداء فريضة الحج، وكان هذا هو رأيه وبتأييده. وكان مقصده من دفع هؤلاء الملحدين إلى هذا الطريق هو تحميس السلطنة السنية [العثمانية] وتحريك غيرتها لطرد الوهابيين من منطقة الحجاز المباركة وإبعادهم عنها. حتى أن سعود كان قد أخبر يوسف باشا بأنه سيسمح للحجاج بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل كتاباً إلى حسن قلعي جاووش بهذا الخصوص. ولكنه عقب ذلك، بعث برسالة أخرى إلى حسن قلعي جاووش//157// يطلب منه فيها منع حجاج قافلة الشام من شرف زيارة قبر النبي، صلى الله عليه وسلم. وهذا المنع والحرمان هو ثمرة تحريض الشريف غالب.
ولما شاع الخبر المؤلم بمنع حجاج المحمل الشامي من الصعود إلى عرفات، ووصل إلى أسماع أهل الإسلام، أثار فيهم الأسى والحزن، خاصة أهل مكة، الذين غمرهم الكدر والتألم، واستولى عليهم الغم، حيث اعتقدوا أنهم مشمولون بهذا المنع، فبكوا وانتحبوا، وتحرقوا شوقاً. ولكن في اليوم التالي، جاء الإذن لسكان مكة بالتوجه إلى جبل عرفات جبل الرحمة، وقيل لهم أن عليهم الذهاب إلى هناك بدون اصطحاب المحفات والشغادف أو الهوادج وماشابها. وبعد أن أعلن المنادون //158//هذا الإذن وأشاعوه انطلق القضاة والأعيان وغيرهم على ظهور الإبل والركائب إلى عرفات. وفي أثناء الوقفة بعرفات، أمر سعود أحد علمائه الزنادقة بالخطبة بدلاً من قاضي مكة. وبعد انقضاء مناسك الحج عادوا إلى مكة المكرمة.
وفي ليلة العودة من عرفات، أرسل الشريف غالب رئيس المطوفين [الأدلاء] يطلب قاضي مكة وقاضي المدينة، ويخبرهما بأنهما قد عزلا من منصبيهما بأمر من سعود، وأنه عين عبدالرحمن النامي قاضياً على مكة. وبعد مدة قصيرة جاء رئيس المطوفين إليهما ثانية، يبلغهما سلام الشريف غالب، وأن سعوداً يرغب في التباحث معهما.
//159//وبناء على هذا، توجه قاضي مكة، خطيب زاده محمد أفندي ، وقاضي المدينة، سعدا بك، وهو حفيد حكيم باشا أوغلي علي باشا ، وانطلقا برفقه رئيس المطوفين من طريق المعلاة. ومرا من بين خيام الوهابيين وهما في حالة من الاضطراب والتأثر يرثى لها، ووصلا إلى المنزل المشؤوم الذي يقيم به سعود. وكانت الدعوة قد وجهت إلى نقيب مكة المكرمة [نقيب الأشراف] عطائي أفندي ، فدخل هؤلاء الثلاثة معاً إلى الغرفة التي بها سعود وابنه عبدالله، وأدوا مراسم السلام والتحية بإرشاد من عطائي أفندي، وتصافحوا، ثم جلس الجميع على ركبتيهم على سجادة صغيرة. وبعد برهة دارت عليهم القهوة، وتناولوها، ثم بدأ التعريف بهم لسعود، بواسطة الترجمان، واحداً بعد الآخر. //160// ثم عرض سعود عليهم بطريقة جافة أن يبايعوه حسب أصول الدين الوهابي، وأمرهم بمصافحته، وهم يقولون" (لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، ثم عادوا لأماكن جلوسهم.
وفرح سعود فرحًا عظيمًا بهذه المصافحة، وبدأ يخاطبهم بأسلوب فيه ملاطفة ومداهنة قائلاً: "إنني أوصيت بكم صالح بن صالح، أنتم وحجاج المحمل الشامي. وصالح إنسان طيّب، ومن رجالي الأمناء الموثقين. ولقد أذنت لكم بالانصراف إلى الشام، مقابل أجر قدّرته وحددت سعره لكم، فستدفعون عن الجمل ذي المحفة وجمل المتاع، ثلاثمائة قرش، أجراً لكل منهما، ومائة وخمسين قرشًا رسماً نظير القازيقلمه (وهي تطلق ركوب البعير منفرداً) . إن الذهاب إلى الشام بأجر زهيد كهذا، هو نعمة كبرى لكم. فانطلقوا في بشر وحبور فخورين في ظل رعايتي.//161// وعلى هذا المنوال، سيأتي سائر الحجاج في كل سنة، ويعودون في أمن وسلام، ولا شك أن هذا من عدالتي. ولقد كتبت خطابًا خاصاً إلى سلطان آل عثمان، سليم خان. وبيّنت له في هذه الرسالة ونصحته بأن يمنع إنشاء القباب على القبور والأضرحة، ويمنع التوسل بأصحاب القبور وذبح القرابين لهم. وهاأنا أسلّمه لكم على أن تسلّموه للسلطان العثماني". وبعد أن أنهى كلامه أذن لهم بالانصراف.
ولقد كانت العودة عن طريق مصر ممنوعة، ولما كان من الضروري أن تغادر قافلة حجاج الشام، التي أوكل أمر إدارتها إلى صالح بن صالح، فقد سافر القاضيان مع المحمل الشامي، الذي وصل إلى المدينة المنورة في اليوم السادس عشر//162// من ذي الحجة من السنة المذكورة [1222هـ]. ولكنهم وجدوا أبواب القلعة مغلقة، لأن أحد رؤساء الأشقياء، اسمه المطوع عبدالرحمن، كان قد تسلم رسالة من سعود تتضمن منع الحجاج من زيارة الحجرة النبوية المعطرة. وأبرز هذه الرسالة لأمير الحج يوسف باشا، وبين له أن عليه الرحيل حالاً من المدينة المنورة، وأن يسلك طريق بغداد. وأصر إصراراً شديداً على هذه المسألة، وذكر أن هذه أوامر سعود وتنبيه الصارم. وكان مقصد المطوع عبدالرحمن من وراء هذا الإصرار هو إلحاق الأذى والتعسف بموحدي الإسلام، الذين حرموا من أداء فريضة الحج ومن شرف زيارة قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، وأن يذيقهم من كل ألوان العذاب والمشقة والعناء.//163//ولكن بعد تدخل سادات أهل المدينة ورجائهم، عاد عن إصراره، ولم يحقق أمله.
وبينما كان المحمل الشامي يضرب خيامه خارج المدينة المنورة وسط مشاعر الألم والحزن، وصل سعود إلى المدينة المنورة، ونزل بدار المحكمة القريبة من باب السلام، وعين زنديقاً يدعى أحمد بن أبي النصر قاضياً للمدينة، وأغلق أبواب القلعة، ومنع قافلة الزوار من مسح جباههم بالروضة المطهرة، وصدهم عن ذلك. ثم أصدر أوامره بالغارة على المحمل ونهبه، إلا أن مفتي المدينة اجتمع مع وجوه الأعيان، وقالوا:" إذا هاجم الوهابيون مخيم الحجاج بأمر من سعود، فإن كثرة عددهم ستجعل من أهل القافلة لقمة سهلة لهم، ويلحقوا الهزيمة بهم، ويقهرونهم في حملة واحدة.//164// ويجب علينا جميعاً أن نعمل لإنقاذ أرواح هؤلاء العزل الضعفاء، ونحفظ أموالهم، ونذهب إلى سعود ونطرح أنفسنا عند قدميه، ونتوسل إليه أن يسمح للمحمل الشامي بالعودة هذه السنة آمناً سالماً". وفعلاً انطلقوا مجتمعين إلى هذا الملحد خبيث المذهب، وطرحوا أنفسهم عند قدميه النجسة، وتوسلوا إليه، وبكل صعوبة وكلفة استطاعوا إرضاء هذا الأحمق. وتوجهوا من حينهم إلى مخيم محمل الحجاج، وأطلعوهم واحداً واحداً على ما يفكر به سعود، وأنذروهم، فقالوا لهم:" إذا بقيتم هنا ليلة أخرى، ولم ترحلوا، فإنكم ستقتلون جميعاً، لا قدر الله، وسوف تنهب أموالكم وتغتصب أمتعتكم".
إن هؤلاء الحجاج التعساء، قد جاءوا من بلاد وأصقاع بعيدة، وقطعوا الجبال والوهاد، وتحملوا كل أنواع البلاء والصعاب، وواصلوا الليل مع النهار حتى وصلوا //165//إلى مدينة محبوب رب العالمين، صلى الله عليه وسلم، من أجل زيارة الروضة المطهرة والطواف بالكعبة المعظمة، قد حرموا من هاتين النعمتين العظيمتين، ولم يبق لهم سوى الألم والأنين والتحسر. ولما كان من المستحيل استرضاء أولئك الخونة الذين لا دين لهم، فإن إخبار الحجاج بأن بقاءهم ليلة أخرى في ذلك المكان سينتج عن ذلك استئصالهم وقتلهم جميعاً، جعلهم يستسلمون لحكم القضاء، طوعاً أو كرهاً. ووجهوا صدور مطاياهم وركائبهم عائدين نحو الشام، وهم يرمقون القبة الخضراء الشريفة بنظرات الحسرة.
وكان يوسف آغا، الكتخدا السابق لوالدة السلطان ، من بين رجال المحمل الشامي. وفي الوقت الذي وصل فيه وفد أهالي المدنية المنورة إلى إسطنبول، كان يوسف آغا هذا صاحب نفوذ لدى الوزراء هناك. ولهذا، قام مفتي المدينة المنورة وسائر رفاقه من الأعيان بزيارته في منتجعه الساحلي [في إسطنبول آنذاك]، وتحدثوا معه في الأمر، وقالوا له:" ياسيدي،//166// إذا لم تبادر الدولة في هذه السنة إلى اتخاذ الأسباب لحماية المدينة المنورة وحفظها، فإن حرم المسجد النبوي سيسقط في هؤلاء الخوارج، الذين لاحرمة لهم. وبعد هذا، لن يبقى شك في أن باب الحج والزيارة سيوصد أمام الناس. نرجوك أن تتفضل بعرض الأمر على أنظار جناب السلطان، واطلاعه على الوضع. فالوهابيون يمكن دفع شرهم ومعاقبتهم بقليل من الهمة والاهتمام من جانب السلطان. وإن مجرد انتشار خبر عن بدء إرسال القوات العسكرية إلى الحرمين من عاصمة الخلافة الإسلامية، وشيوعه في منطقة الحجاز كافٍ لتأديب هذه الطائفة الباغية وردعها. فلو أرسلت الدولة خمسمائة أو ستمائة جندي فلا شك أن قبائل العربان سوف تتسلح ضد الوهابيين. وهذا الوضع سبب لتخويف الخوارج وإرهابهم.//167//وفي ظل هذا، يمكن تخليص الحرمين الشريفين من سيطرة الخوارج، ومن ناحية أخرى يوفر على الدولة العلية أي نفقات يمكن أن تضطر لصرفها في المستقبل". ولكن يوسف آغا قابل هذا الكلام بفتور بارد.
وساق قدر الله يوسف آغا إلى الحجاز هذه السنة، فابتدره مفتي المدينة المنورة باللوم والتأنيب فقال:"تذكرون إننا قد قدمنا إلى إسطنبول وكنا ندور عليكم كالشحاذين، نستجديكم العون والمدد، ونستغيثكم بأن مدينة رسول الله ستذهب من أيدينا، فكل ذلك، لأننا نعلم هذه الأيام قادمة. ومثلما كنتم تقابلوننا آنذاك ببرود واستثقال، فاليوم الوهابيون يقابلونكم ببرود واستثقال في بلاد الحجاز المقدسة. وكننا لا نشعر بالأسى والحزن بالقدر الذي يغمركم،//168//، ذلك أنكم في اللحظات التي اقتربتم فيها من جوار النبوي السعيد، الذي يغمره ضياء النور المحمدي، منعتم من الوصول إلى الحجرة النبوية المعطرة وزيارتها، ورددتم على أعقابكم، وهذا يحتم أن تكونوا، بلا شك، أكثر يأساً وكدراً منّا. ولكن للأسف، فإن وجودكم التعيس في هذه القافلة جلب الشؤم لبقية الحجاج الذين لا حيلة لهم، فحرموا من تلك الزيارة، وصار حالهم مؤثراً لما لحقهم من هذه المصيبة الكبرى".
ولقد توسل كل من والي جدة زين العابدين باشا، وخطيب زاده محمد أفندي، ومحمد سعداء بك لدخول المدينة المنورة، وبعد استعطافهم، وبسعي من صالح بن صالح أذن لهم في الدخول إليها، وتوجهوا لمقابلة سعود. ولما كان سعود، في تلك الساعة، في مبنى المحكمة،//169// مشغولاً بمرافعة في قضية، فقد جلس هؤلاء الثلاثة جانباً على قطعة من الحصير، يتحينون نظرة والتفاته عطف منه.
وبعد أن فرغ سعود من المرافعة، أمر هؤلاء الثلاثة بتجديد بيعتهم له ومصافحتهم، ويترجم بينهما المفتي إلياس زاده. وبعد إجراء مراسم البيعة والمصافحة، أحضر رسالته التي وجهها إلى السلطان سليم، وختمها بختم الولاية الضخم. وبعد الختم سلمها إلى محمد سعداء بك، حفيد حكيم أوغلي علي باشا. عقب ذلك نهض هؤلاء الثلاثة وصافحوه، ثم غادروا متوجهين إلى خيامهم.
ولقد رأي محمد سعداء بك بأم عينيه ما ألحقه ابن صالح بالحجاج فيما بين الحرمين من الأذى والعسف والعذاب، والصعاب التي تجشموها، والنفقات التي ضاعت منهم سدىً. ولهذا طلب الإذن له بالرحيل عن طريق البحر،//170// وأخذ يبحث عن وسيلة يدبر بها أمره. وكان قد فاتح سلفه حسن أفندي ،الذي حصل على إذن للسفر بالبحر، في هذا الموضوع. وذكر له أن هذا ممكن بعد الاستئذان. ولهذا طلب الإذن من سعود بواسطة مفتي المدينة إلياس زاده. وأجاب سعود بقوله:" يكمنني أن أسمح لمحمد سعداء بك بالسفر بحراً إذا دفع خمسة آلاف قرش كما فعل سلفه حسن أفندي". وبينما كان محمد سعداء بك مشغولاً بتدبير المبلغ المطلوب، عاد إليه المفتي إلياس زاده، وقال:" إن سعوداً يقول لن أسمح لمحمد سعداء بك بالسفر بحراُ حتى لو دفع خمسين ألف قرش، لقد كانت عنده جارية حسناء، فإذا أعطاني هذه الجارية، يمكنه أن يسافر بالبحر"//171//ولما ذكر المفتي ما يفكر به سعود، رد سعداء بك بالقول:"إنني أعتقت تلك الجارية". ووصل هذا الجواب إلى سعود، بدأ يهذي هذا الملحد عديم الدين، وأصر على أخذ الجارية، فقال:" إن إعتاق محمد سعداء بك للجارية غير جائز في مذهبنا، وجاريته إلى الآن في الرق". واضطر سعداء بك بدفع الجارية إلى سعود، وحصل على الإذن بالسفر عن طريق البحر.
وكان مقصد محمد سعداء بك من طلبه العودة بطريق البحر، أن عودة المحمل الشامي قد تقرر أن تكون من طريق بغداد، وفي العودة من هذا الطريق مخاطر عظيمة على الحجاج. ولقد تمكن بتقديم بعض الهدايا لأتباع سعود، وإعطائه الجارية الحسناء، //172//وترك أرزاقه ومتاعه لهم، من الحصول على الإذن بالسفر بحراً، وتوجه مسرعاً إلى ينبع بدون أن يتوانى لحظة، وتخلص من ظلم صالح بن صالح وغدره.
وفي الأثناء التي كان فيها سعداء بك يعد عدته للسفر إلى ينبع، ولقد أخذت الغيرة والحمية أحد أغوات الحجرة النبوية الشريفة، يدعى سالم آغا، لما رآه من عدم احترام الوهابيين العلني لمرقد النبي صلى الله عليه وسلم وعد تعظيمه وتوقيره، فسل سيفه في يوم الجمعة، وهاجم الوهابيين. وأدرك سعود النتائج الوخيمة لهذا العمل، فأشار بسرعة بإغلاق أبواب المسجد النبوي الشريف، واعتقل رفاقه الآغا المذكور، وقيدوه بالحديد، وحبسوه.//173// ثم جلبوا شيخ الحرم عنبر آغا، وحبسوه، وأوقعوا عليه غرامة مالية قدرها عشرون ألف قرش. وبعد ذلك أخلوا سبيله، وسمحوا له بالذهاب إلى مصر.
وما كاد المحمل الشامي يبتعد عن المدينة بعدة منازل، حتى انتقل سعود التعيس إلى المحكمة الشرعية، وأعطى أوامره بالإغارة على الحجرة النبوية الشريفة وخزينتها، ونهب كل ما كان فيهما من الذهب والمجوهرات والأشياء الثمينة. ثم أمر بهدم مابقي من القباب التي لم تهدم، ولكنه أبقى القبة النبوية الخضراء في حالة خراب، بعد أن استعطفه الأهالي بتركها. وبعد ذلك أصدر تنبهاته بعدم قراءة اسم السلطان العثماني في الخطب من على منابر الحرمين الشريفين، وجعلها تحن إلى ذكر ألقابه السلطانية السامية.//174// ثم أعطى تعليمات مفصلة بتحصين القلاع وتقويتها بشكل محكم لتتمكن من صد قوافل الحجاج المصرية والشامية التي ستفد فيما بعد وإعادتها. عقب ذلك أمر بجمع أهالي المدينة المنورة كلهم في المسجد النبوي الشريف، وأغلق أبوابه عليهم، وبدأ يخطب فيهم، فقال:"
يا أهل المدينة، إني قصدت بجمعكم في هذا المكان، أن أنصح لكم، وأقدم لكم نصائح طيبة وجميلة، وأنبهكم إلى وجوب التقيد والعمل بما سأصدره إليكم ومن تعليمات وأوامر.
يا أهل المدينة، لقد وصل دينكم اليوم حد الكمال والتمام بموجب الآية الكريمة" اليوم أكملت لكم دينكم.." ، وتشرفتم بنعمة الإسلام، وأسعدتم وأرضيتم ربكم عنكم.//175//ومن الآن فصاعداً، تجنبوا الميل إلى دين آبائكم وأجدادكم الباطل، وتحاشوا ذكرهم بالخير، ولا تترحموا عليهم. فأجدادكم كلهم قد ماتوا على الشرك والكفر. ولقد بيّنتُ لكم أعمالكم وطاعاتكم وعباداتكم في الكتب الشريفة التي أعطيتها لعلمائنا. وداوموا على دروس علمائكم، واعملوا بما يقررونه في كل مسألة، وخذوا بكل موعظة يبينوها لكم، واجتهدوا في التمسك بمقتضاها. وإذا حدث أن أحداً منكم خالف هذا أو أظهر الاعترض عليه، فسوف أجعل أموالكم ومتاعكم أرواحكم حلالاً مباحاً لعسكري. فقد أصدرت التعليمات الشرعية التي بموجبها يأخذونكم جميعاً وأولادكم ونساءكم أسرى، وأن يحاسبوا رجالكم، ويعاقبوهم بالعقاب الذي يرونه ويقررونه هم.//176//ومن غير المشروع في مذهبنا أن تقوموا، كما في السابق، بالوقوف أمام القبر النبوي الشريف، وتعظموه، وتصلوا وتسلموا عليه. فهذه الأفعال القبيحة من البدع غير المستحسنة، وهي محرمة في الدين الوهابي.
ومن الواجب، أن من يمرون من أمام القبر الشريف، عليهم أن يعبروا بدون توقف، وفي أثناء مرورهم يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، بقول:" السلام على محمد". وهذا الاحترام والرعاية كافية حسب اجتهاد إمامنا محمد بن عبدالوهاب".
واستمر سعود بعد ذلك في كثير من الكلام المستجهن، ثم أمر بفتح أبواب المسجد النبوي الشريف، وأخرج الناس منه.
وبعد أن عين ابنه عبدالله والياً على المدينة المنورة، انقلب/م177// عائداً إلى الدرعية.
ويفهم من خطبة سعود السابقة أن دعوة الوهابيين ليست دعوة مذهب، بل هي دعوة ديانة [جديدة].
وسعود، وإن كان قد ظهر على الساحة في الواقع على أنه عامل بمذهب ابن عبدالوهاب ومقتد به، إلا أن ضميره ونيته الحقيقية هي إيجاد دين آخر [جديد]. هذا في الوقت الذي قضى فيه النور المحمدي عليه وأهلكه، وأيضاً أزال أصل بنيانه الفكري ونواياه وملاحظاته من أساسها. حتى أن الإفرنج الذين لم يؤمنوا برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يقولون بأن النور المحمدي سوف يمحو كل الديانات التي ستظهر من بعده، واستدلوا على ذلك بمحوه الديانة الوهابية وإزالتها من الوجود. فحسب إيضاحات فلاسفة الإفرنج،//178// أنه في وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، زالت إمبراطورية روما من الوجود، وبهذه المناسبة اندمجت آلاف الديانات وانصهرت في بوتقات في قارة آسيا، إلا أن النور المحمدي هو الذي قضى عليها ومحا كل أثر لها.
معجزة جليلة
عندما نهب سعود محتويات خزينة الحجرة النبوية المطهرة، أراد نزع قطع من الدر المتلألئ الثمين كانت معلقة على جدرانها. فأرسل ثلاثة من الوهابيين واحداً بعد الآخر. واتجه الوهابيون الثلاثة مباشرة نحو قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وما كاد يصل أحدهم إلى القبر الشريف حتى سقط على الأرض بدون صوت أو صدى وبلا سبب، فصرعوا الثلاثة هناك. ولم يستطع سعود المردود أن يمد يده على تلك المجوهرات.
//179//معجزة جليلة أخرى
يروي بعض أهل المعرفة والعلم من أهل المدينة المنورة، أنه في بعض الليالي، في أثناء فترة الحصار، كانت تتسرب أرزاق ومؤن متنوعة من وراء أسوار القلعة، وذلك بشكل سري. ودخول هذه المؤن وتسريبها إلى داخل المدينة، بالرغم من أن القلعة، من داخلها وخارجها، كانت تحت إدارة رعاع الوهابية، الذين لم يشعر أحدٌ منهم بذلك، فلاشك أنه يعد معجزة كبيرة.

وهكذا، فإن وقوع هذه الحاثة العظيمة والكارثة المفجعة، وشيوع خبرها، قد أصابت قلوب جموع المسلمين الغفيرة بالألم والأسى، وكانت بمثابة طعنة سددت إلى صدورهم. ذلك أن أبواب الحج والزيارة الفياضة بالنور،//180// التي ظلت مفتوحة أمام الموحدين منذ عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قد أغلقت بتمرد سعود النمروذ وتجبره في عام 1222هـ. ولأن الذهاب إلى الحج أو العودة منه من الآن فصاعداً قد أصبح شبه مستحيل، فقد كلف والي مصر محمد علي باشا بطرد الوهابيين من البلاد الحجازية المباركة، وإجلائهم عنها. وصدر الأمر السلطاني العالي في هذا الخصوص وأرسل إلى الباشا المذكور. وفي عام 1224هـ بدأ في اتخاذ كل أسباب الإعداد للحرب بغاية الاهتمام. وأقدم بكل جد وهمة عالية، على النهوض بهذه الخدمة الجليلة، التي تستوجب المغفرة. وتمكن بعون الله الوهاب وعنايته من اقتلاع أصول الشجرة الوهابية الخبيثة وفروعها من الأراضي المقدسة الحجازية وتهامة، وقمعهم، وطهر في أقصر وقت ساحة الحرمين الشريفين من وجود هؤلاء الخوارج الفاسدين.
//181//وكما سنرى في خاتمة هذا التاريخ، فإن محمد علي باشا استعاد المدينة المنورة ومكة المكرمة منهم، وأرسل إلى إسطنبول مفتاح المدينة المنورة في اليوم السادس والعشرين من شهر محرم الحرام عام 1228هـ، ومفتاح بيت الله الحرام في غرة من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة .
كما أنه أسر رؤساء الوهابيين، وقيدهم بالحديد، كما قبض على مجموعة من الأشقياء من أمثال شيخ الجديدة، وبعث بهم إلى إسطنبول.
ومن اليوم الذي أسس فيه بنيان السلطنة السنية العثمانية، فإن سلاطين آل عثمان العادلين جعلوا أمر الغزو والجهاد في مقدمة أعمالهم، ووضعوا نصب أعينهم إجراء أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وتطبيقها. ونالوا لقب (خادم الحرمين المحترمين) الشريف، وأحرزوه، فازدادوا تميزاً وعزّاً وشوكة. //182//فهم بين ملوك وسلاطين الموحدين خلفاء سيد الأنام، وعاصمتهم، التي هي مقر العدل، قبلة الإسلام. وتعظيمهم وتوقيرهم يعد من أحكام الدين. ومع هذا كله، فإن قطع طريق الحج والزيارة إغلاقه في زمن سلطنتهم، وفي عصر هذه الدولة الخالدة، يعد حقيقة مصيبة كبرى غير مسبوقة حلت بالإسلام. وإنه لأمر مستغرب تقاعس هذه الدولة عن إرسال قوة عسكرية قاهرة إلى أرض الحجاز المباركة تنكّل بالوهابيين الذين تجرأوا على احتلال الحرمين الشريفين، وتقتص منهم. ولكن هذه الواقعة الأليمة حدثت في وقت عصيب من أوقات الدولة، ملئ بالأزمات. ولهذا لم تجد الدولة في الحقيقة إمكانية للتعامل مع الوهابيين في الحرمين الشريفين. //183// فقد توافق ظهور ابن عبدالوهاب مع بداية تولي السلطان عبدالحميد الأول، رحمه الله، عرش السلطنة. وفي ذلك الوقت، كانت جيوش الدولة العثمانية مشتبكة في حروب مع القوات الروسية، وتقاتلها من ثغر إلى ثغر، ومن مضيق إلى آخر. ووقعت معاهدة (قاينارجه) في نهاية تلك الحرب، فاستقلت [بموجبها] أقوام التتار، وسواحل نهر قوبان، كما بقيت في يد العدو [الروسي] الأزلي بلاد قيلبورون، ويكي قلعة، وحصون آزاق، وبلاد قبارطاي، وبلاد كرجستان . ونتيجة للامتيازات الضارة التي منحت لأهالي كلا الدولتين، فقد حدثت ثقوب وجراحات في جسم الدولة والبلاد وكيانها.
عقب ذلك، تعرضت قلعة عكا، وبلاد الصعيد [بمصر]، وبر الشام لهجوم عنيف، وحدثت حركات استيلاء وسيطرة. وبعدها ظهر العصيان والتمرد في [جزيرة] المورة وبلاد الأرنؤوط [ألبانيا]،//184//كما دخل خانات بلاد التتار في نزاع مع بعضهم البعض، وسقطت شبه جزيرة القرم في يد موسكو ، كل هذا أدى إلى زيادة ضعف الدولة. ولما اضطرت الدولة إلى إعلان الحرب على روسيا وألمانيا والنمسا، ضاعت منها قلعة أوزي، وتعرض خمسة وعشرون ألف من المسلمين لكل أنواع الغدر والظلم والإهانة، ثم قتلوا بالسيف جميعاً، مما أدى إلى ازدياد النكبات والمصائب التي تكالب على الدولة.
أعقب ذلك إعلان الإنكشارية ثورتهم وتمردهم، ووفاة السلطان عبدالحميد الأول، وتزامن معه، سقوط بلغراد وبندر إسماعيل، ثم حدوث ثورات في ودين والصرب، وما تكبدته الدولة من إرسال حملات وقوات عسكرية لإخمادها.//185//بعد ذلك استولى الفرنسيون على مصر، وبعدها تجرأ بكوات المماليك على إعلان استقلالهم، وتمرد والي عكا أحمد باشا الجزار، وتبه دلنلي علي باشا، وثورة أهالي [جزيرة] المورة. كل هذا أصاب أركان الدولة بالحيرة، وحطم صورتها.
وكان احتلال الفرنسيين لمصر، وإرسال الإنجليز لأسطولهم البحري إلى الآستانة ثم إلى مصر، سبباً في اضطرار الدولة إلى إعلان الحرب على إنجلترا. ثم تمرد الإنكشارية، وثاروا على قوانين الإصلاحات (النظام الجديد)، ونشروا الفوضى وأحدثوا الشغب، وقتلوا معظم رجال الدولة أينما وجدوهم، وكل من عثروا عليه قد تزي بملابس الإصلاحات (النظام الجديد). وختم كل هذا، باستشهاد السلطان سليم [الثالث]. ومن هنا لم يعد أي مجال للحركة في جسم الدولة العثمانية، وصارت حثة هامدة.
//186//وبالرغم من ذلك، كان من الممكن ألا تعطي الدولة مجالاً لفتنة الوهابيين بأن تكبر وتنتشر بهذا القدر. ولكن وزراء ذلك العصر كانوا يتفوهون بترهات وهذيان من قبيل قولهم:" إن اضطرابات العرب هذه قد جلبت مصيبة كبرى على رؤوسنا. فحوادث مكة والمدينة تسلبنا الراحة، وتقلقنا في كل سنة، ولقد عاد العرب مصدر إزعاج وقلاقل".
وبهذا لم يضع هؤلاء الوزراء والمسؤولون أمور الحجاز في اعتبارهم، ولم يولوها الأهمية المطلوبة. وعلى الرغم من أن وفد المدينة المنورة قد طرق أبواب كل واحد من هؤلاء، وشرح له خطورة الوضع، وطلبوا منهم النصرة والعون، إلا إنهم استثقلوا هذا الوفد،(تكلم من، ولمن تقول، فأنا لا أسمع ) وردوا جيران رسول الله، مكرم الضيفان، صلى الله عليه وسلم، ببرود، ولم يكلفوا أنفسهم عناء إيصال الأمر بكافة جوانبه إلى المرحوم السلطان سليم خان. ولهذا كانوا السبب في تمكن الوهابيين من الاستيلاء على هذه البلاد الواسعة المقدسة، وبسط سيطرتهم على الحرمين الشريفين. بل إنهم راحوا يماطلون الشريف غالب، ويسوفون عليه بسفسطة فارغة، فمرة يقولون له:"سوف نرسل علماء من الآستانة لإفحام الوهابيين وإسكاتهم وإلزامهم باتباع المذهب"، ومرة أخرى يقولون له:"سوف نكتب تعليمات إلى ولاة جدة ومصر وبغداد والشام، من أجل إظهار سطوة الدولة العثمانية وشوكتها". وكلم يجب ألا يستثقلوا وجود وفد المدينة المنورة الذي قدم إليهم، واتخذوا تدابير صائبة، ولو فعلوا ذلك، لما حدثت المجازر والقتل العام في الطائف، ولما سقطت البلدتان المباركتان والحرمان الشريفان في أيدي الخوارج.

استرداد بلدة رسول الله من يد الوهابيين سود الوجوه
كان شيخ الدرعية سعود بن عبدالعزيز قد نصب ابنه عبدالله والياً على المدينة المنورة، ثم انسحب عائداً إلى دياره. وفي تلك الأثناء، كان والي مصر محمد علي باشا قد نصب ابنه أحمد طوسون باشا والياً على جدة، وعينه قائداً لفرقة عسكرية توجهت بطريق البر إلى المدينة المنورة. وبين له أن أوامر السلطان السامية الواجبة الطاعة، تقضي بطرد الخوارج الأشقياء من بلاد الحرمين الشريفين. وبناء على هذا تحرك أحمد طوسون باشا من مصر، وواصل سيره، حتى نصب خيامه عند وادي قرية الحمراء، الواقعة بالقرب من مضيق جديدة. وتمكن من هزيمة عصابات الوهابيين الذين صادفهم في طريقه، وشتت شملهم، وأدخل عربان القرى والنواحي التي مر بها في طاعة الدولة، وانقادوا لها.
//189//ولما فوجئ عبدالله بن سعود بهذا الخبر، اضطرب، وجمع أهل المدينة وخطب فيهم قائلاً:" لقد سمعت أن الجيش المصري قد وصل إلى قرية الحمراء، ونصب خيامه بها. وقررت الهجوم عليه، ومحاربته. ولكني سوف أصطحبكم معي، فعلى كل منكم أن يجهز نفسه، ويعد أسباب الحرب، ويحضر لإثبات نفسه في الساعة …كذا، في مكان …كذا". ولم يجد الأهالي أمام إلا الموافقة والقبول بالأمر مضطرين، ثم هجموا فجأة على قوات أحمد طوسون باشا، واستمر القتال الدامي خمسة بلياليها متواصلة. وفي النهاية هزموا الفرقة المصرية، ونهبوا جميع ما تحمل من المهمات والأسلحة العسكرية.
وكان أحمد طوسون باشا عند وصوله إلي ذلك الموقع، قد بنى طابية استحكام في نقطة مهمة//190// من المكان، ورتب بها سبعين رجلاً من الأرنؤوط [الألبان]. ولما هزم عبدالله بن سعود قوات أحمد طوسن باشا، أعمل السيف في جنوده، وهرب كل من نجا من القتل منهم إلى الجبال. وجلب عبدالله بن سعود خمسة آلاف رجل من الوهابيين المتعطشين للدماء من أجل الاستيلاء على تلك الطابية التي يتحصن بها الأرنؤوط الشجعان. وهاجم بهم الطابية مدة ستة عشر يوماً بلياليها هجوماً متواصلاً بلا انقطاع. ولكن الأرنؤوط تصدوا بصدورهم لسلاح الأعداء، واستطاعوا أن يكسروا الوهابيين بشكل يدهش العقول. وأدرك ابن سعود أنه لن يتمكن من الاستيلاء على الطابية بالهجوم عليها، فضرب عليها الحصار من كل جهاتها، دائراً ما دار، على مسافة مرمى الرصاص.
وصمد أبطال الأرنؤوط فترة طويلة في مواقعهم، وثبتوا على أمل أن تأتيهم إمدادات ونجدة من مصر، //191//وجاهدوا لحماية شرفهم العسكري بحق، إلا أن ما لديهم من الأرزاق والذخيرة واللوازم العسكرية قد نفذ، بسبب استمرار الحصار مدة طويلة. واضطروا إلى مقاومة الجوع مدة ثلاثة أيام، وكانوا يتبادلون القول مع بعضهم فيقولون: "لقد تعهدنا بحماية هذه الطابية بكل ما أوتينا من شجاعة ورجولة، وحسب معنى بيت الشعر الذي يقول:" يحافظ المجتهد على الدعوة التي يؤمن بها، ويفتضح، ويبقى بلا عزة، الرجل الذي يثبت عجزه"، فإن استسلمنا نكون قد كشفنا عن جبننا وخورنا. ولو افترضنا، أننا ألقينا سلاحنا، واستسلمنا لهم، وحصلنا على الأمان، فما دمنا قد قتلنا من الوهابيين أضعاف عددنا، فإن رؤساء الأشقياء سوف يقتلوننا قصاصاً، ويعدموننا لامحالة. وإذا لم يفعلوا، فإننا سنعيش تحت رحمة العدو ومنته، وهذا عار عظيم لايليق بالرجال الشجعان الكبار. وحتى لو حصلنا على العفو والأمان من أجل إنقاذ حياتنا من الموت، فإن استمرار العيش في الذلة والمهانة يعني الموت ألف مرة كل يوم. وكلنا نعلم معنى بيت الشعر الذي يقول: لايوجد شيء ثابت في هذه الدنيا الخربة الفانية، وألف سنة تستوي في الحساب مع لحظة واحدة"، ومادام أننا سنموت حتماً يوماً ما، فيجب أن ننطلق من معنى بيت الشعر الذي يقول: "شدّ قوس الفلك[كناية عن قوس قزح، برج القوس] حتى لو كان [وتره] من حديد، فهذا خير من منّة الأنذال"، ولنستل سيوفنا معاً، ولنحمل على جموع الأعداء حملة رجل واحد، ولنقاتل أعداء الدين والمذهب، ونحاربهم حتى ننال الدرجة العالية بالشهادة. وعلى الأقل، نقتل عدداً من الأعداء ونصرعهم، ونكون مثالاً يحتذى في أخلاقنا".//193//وبعد ذلك تبادلوا القبلات، وودعوا بعضهم بعضاً، ثم صاحوا صيحتهم، قائلين "الله …الله"، وهجموا على العدو الذي يزيد على رجاله عن خمسة آلاف، ودفعوا قوات الملحدين أمامهم كأنهم قطعان الحمر الوحشية. وقتلوا منهم أكثر من مائتي رجل، حتى تحولت مقدمة طابية الأرنؤوط إلى مذبحٍ للخنازير.
وعجز رؤساء فرق الأشقياء عن الرد بالمقابل على صولة شجعان الأرنؤوط البواسل، ذلك لأنهم (يريدون أن يقبضوا عليهم أحياء)، فقاموا يرجون الأرنؤوط أن يتخلوا عن الحرب، وأخذوا ينادون عليهم بقولهم:" أيها الشجعان يا أبناء الشجعان، اتركوا القتال، والتجئوا إلى حماية ابن سعود وعطفه، ونقسم لكم بأنكم في أمان، فعبدالله بن سعود ليست لديه معاملة للمغاوير وأبطال الحروب من أمثالكم إلا الإكرام والتقدير".//194//وكان الأرنؤوط قد تعاهدوا وتقاسموا من قبل على القتال حتى الموت، وأخذوا المواثيق من بعضهم البعض؛ ولهذا، فقد قاتلوا كالأسود مدة اثنتي عشرة ساعة أخرى. ولكن للأسف، لم تتحمل مجموعة منهم الجوع، وكسرت سيوف معظمهم، فاستشهدوا كلهم. نسأل الله تعالى أن يرضى عنهم جميعاً.
وبناء على هذا الظفر غير المتوقع الذي أحرزه عبدالله بن سعود، عاد إلى المدينة وقد ركبه الغرور واستولى عليه الكبر. واستبدل أهالي المدينة الذين كانوا يحرسون القلعة، وأحل محلهم رجالاً من الوهابيين. ولما لاحظ قيام أحمد طوسون باشا بحشد العساكر المصرية،//195// أخذ في تقوية أبراج القلعة ومتاريسها وجدرانها بشكل محكم لتصمد للمقاومة التامة. عقب ذلك، التفت لأهالي المدينة يؤنبهم فقال:"لقد فررتم مني في منتصف الطريق، على أمل أن يهزمني أحمد طوسون باشا". وبدأ في التضييق على أهل المدينة المنورة ووصل بذلك إلى درجة لايمكن وصفها. ذلك أن الأهالي الذين التحقوا بفرقته الباغية كرهاً، كانوا قد فروا واحداً وراء الآخر، وعندما وصل إلى قرية الحمراء لم يكن معه أحد من المدنيين.
ولايمكن البحث في سبب آخر لهزيمة أحمد طوسون باشا، سوى كونه في مطلع شبابه. [لا تجربة له].
ففي أثناء تحركه براً من مصر، غادر طاهر أفندي كاتب ديوان ولاية مصر بطريق البحر،//196// ومعه قوة عسكرية، وكميات كبيرة من المهمات واللوازم الحربية. واستولى طاهر أفندي على ينبع البحر بلا قتال، ثم دخل في معركة حتى استولى على ينبع البر. وبعد هذا التقى بأحمد طوسون باشا.
وكان الهجوم الباسل الذي شنه طاهر أفندي على ينبع البر عنيفاً جداً ودموياً، حتى بلغ عدد رؤوس القتلى ستمائة، وأسر ألفي رجل.
وعقب معركة ينبع البر، ساق أحمد طوسون باشا قواته على قلعة الشويك التي كان أنشأها ابن جبارة، أحد زعماء الوهابية، في قرية الشويك، وهاجمها. وبعد أن استولى على تلك القلعة توجه إلى مضيق جديدة الذي يبعد عن ينبع البر بمسافة أربع ساعات في جهة المدينة المنورة.//197//ولأنه كان في مطلع شبابه، يشتعل حماساً، وتهوراً، فلم يستشر أحداً من قادة الفرقة المصرية المرافقة له، وتجرأ على العبور من مضيق جديدة، وغفل عن اتخاذ التدابير العسكرية اللازمة لمرور الجنود من هذا المضيق.
ذلك، أنه في أثناء الدخول إلى هذا المضيق، أمر بسوق وحدات المشاة من خلف الجبال الواقعة على شمال المضيق وجنوبه، وأمر بوجوب عمل متاريس عديدة في الأماكن اللازمة، وبالاستيلاء على النقاط المتحكمة في المضيق بأي صورة. وبعد أن أمر بهذا تقدم برفقة وحدات الفرسان إلى قرية الحمراء.
وإذا كانت تدابير أحمد طوسون باشا هذه صحيحة إلى درجة ما من ناحية العمليات العسكرية،//198// إلا أن عبدالله بن سعود واجهه في هذا المضيق من ناحية المدينة المنورة، وتمكن الباشا من طرد قوات عبدالله بن سعود أمامه، و لأنه بدأ في تعقبه، فقد قامت قوات المشاة المصرية، التي أرسلت من قبل من وراء الجبال في مدخل المضيق، بالاستيلاء على متاريس الوهابيين، التي تحصنوا بها على قمم الجبال الجنوبية، وتمكنت من طرد الأشقياء أمامها حتى مخرج المضيق. ونزلت من الجبال الجنوبية فرقة الاستطلاع التي أرسلها أحمد طوسون باشا ليعاين مخرج المضيق. ولأنها قطعت الطريق على فلول الرعاع الفارين، اضطرت للعودة. وبهذا حصر الوهابيون بين الفرقتين، وتقدموا نحو الباشا المذكور وهم في حالة هياج وهول عظيم.
وكان في مقدور الفرقتين المصريتين أن تستأصلا الأشقياء//199// الذين حشروا بينهما، ولكن فرقة الفرسان المرافقة لطوسون باشا، بالنظر إلى قلة عددها، لم تتمكن من مقاومة هجمات الوهابيين الدموية. ولما هرب الفرسان، ثبت الباشا المذكور ومعه تسعة رجال من الفرسان، وأخيراً استطاع أن يلتحق بأفراد المشاة الموجودين في الجبال الشمالية، وأخذهم منسحباً إلى ينبع البحر.




التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  _ رد مع اقتباس
قديم (س 11:25 مساءً) 28/04/2009, رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
نصر
عضو ماسي

الصورة الرمزية نصر




  

 

نصر غير متواجد حالياً


هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

وبالبحث والتحقيق، وجد أن عدد الوهابيين الذين اشتركوا في هذه المعركة، بالإضافة إلى مرافقي ابن سعود، قد بلغ خمسين ألف رجل.
وبعد هذه الهزيمة التي مني بها أحمد طوسون باشا، أرسل إلى والي مصر محمد علي باشا من ينبع البحر يخبره بالأمر، ويطلب قوات عسكرية كافية، ومهمات ولوازم حربية. وتم بعد ذلك تأمين كل ما طلبه من العساكر واللوازم الحربية، وأرسلت إليه بالبحر.//200// وأعطى الباشا قيادة القوات العسكرية القادمة لأربعة من القادة هم: حسين بك، وزعيم أوغلي، وبنابورت وعثمان كاشف. واصطحب هو فرقة صغيرة، وتقدموا بدون أن تصادفهم أية موانع أو عوائق، حتى وصلوا إلى وادي بدر، ونصبوا خيامهم فيه. وبناء على رأي قادة الفرق الأربعة التي وصلت بعده قام بكتابة خطاب وأرسل نسخة منه إلى كل شيوخ قبائل العربان. وهذا هو نص الخطاب:" لقد علم جناب السلطان محمود خان الغازي بأن الوهابيين قد استولوا على المدينة المنورة، وبناء على هذا حرم الحجاج الكرام من شرف زيارة الحجرة النبوية المعطرة. ولهذا أصدر أمره العالي بتكليف والي مصر، والدي محمد علي باشا، بمهمة بطرد طائفة الوهابيين الباغية من بلاد الحجاز المباركة، مهما كلف الأمر.
//201//وقام الباشا المذكور من جانبه بإحالة مهمة إنفاذ هذه الإرادة السلطانية الصارمة إلى عهدتي، وأرسلنا إلى هنا مع القوات العسكرية الكافية. ووعدنا الباشا وعداً قاطعاً بأنه إذا دعت الضرورة في المستقبل إلى مزيد من القوات، فسوف تعد وتجهز وترسل متعاقبة في مراحل. ولقد تعهد والدي بأن يبعث بالقوات واللوازم الحربية التي تكفي لفتح طريق دار الهجرة النبوية المقطوع، وأن يتوالى إرسالها بشكل مستمر، وأصدر أوامره الصارمة في هذا الخصوص إلى المسؤولين وإلى من يهمه الأمر. وأنا من جانبي، سأبذل حياتي ونفسي في هذا السبيل حتى يتحقق. فإذا كنتم ستوافقونني في هذا العمل، وقدمتم العون الذي يطلب منكم للعساكر المصرية السلطانية،//202//فسوف أعطيكم عوائدكم ومخصصاتكم القديمة كاملة، وسوف تصلكم المكافآت السلطانية السنية، وبعض الجوائز والعطايا والهدايا من طرف الخليفة. ويوجد بينكم من يعتقد أن الوهابيين سوف يحققون الظفر والغلبة على الدوام، لما رأوا هزيمتي أمام ابن سعود في معركة قرية الحمراء، وهم مخطئون في ذلك؛ لأن الذين فروا من الفرقة المصرية التي كانت معي، كانوا غرباء عن ديارهم، ولهذا تفرقوا، كل واحد منهم راح في جهة، وتسببوا في هزيمتنا. وبالرغم من ذلك، فيجب ألا يتطرق الشك إلى أنفسكم بأن سلطاننا عاجز عن إرسال قوات عسكرية بعد انهزام إحدى الفرق. فلقد عهد بهذه المهمة إلى والدي محمد علي باشا الذي سيبذل ما في وسعه لطرد الوهابيين مهما كلف الأمر//203// من بلاد الحجاز المباركة، والتنكيل بهم، وإنه سوف يوفق إلى ذلك بعون الله تعالى وعنايته. وإن جموع الموحدين بالبلاد المصرية، وعلى وجه الخصوص كافة المسلمين في تركستان قد استعدوا ضد الوهابيين، وإن عساكر الإسلام سوف تتقدم لتسترد منطقة الحجاز المباركة من قبضة الوهابيين بشكل قاطع. ولاحاجة لأن أستفيض في الكلام إليكم أكثر من هذا. فيجب أن تتصرفوا بعقلانية وبعد نظر.وأن تبلغوني بشكل عاجل وسريع بما تريدون قوله، ويستقر عليه أمركم. وإذا وجد بينكم من يفكر في عصيان الإرادة السلطانية، وعدم الانقياد لأمره السامي، فليكن معلوماً لديكم إنني سوف//204// استعمل السيف وأقتلكم جميعاً".
ولقد أحدث هذا الخطاب العام الذي كتبه أحمد طوسون باشا تأثيراً جيداً بين رجال قبائل العربان، ولهذا اجتمع المشايخ وعقدوا مجلساً كبيراً، بحثوا فيه الأمر، وانقسموا إلى فريقين: فريق رأى الانقياد للدولة العلية العثمانية، وإظهار الطاعة لها، واتفقوا على الوقوف ضد ابن سعود. والفريق الآخر فضل البقاء على الحياد، ولم يأخذ جانب الدولة العلية ولا جانب سعود، وأن ينتظر ما تنتهي عليه الحوادث من نتائج. وقام رؤساء كل فريق ومشايخهم بكتابة عريضة خاصة به، شرحوا فيه وجه نظره هذا الفريق، وما يعتقده ويضمره، وأرسلوا هذه العرائض إلى أحمد طوسون باشا، لتكون جواباً على خطابه السابق.
//205// وكانت قبائل الأحامدة هي الفريق الأول الذي التزم بالطاعة للدولة العلية العثمانية والانقياد لها، واتفقوا على التصدي لسعود والتضحية في سبيل ذلك بالروح والنفس. وكان شيخ مشايخ الأحامدة
رجل يدعى الشيخ جزا، وقد جمع مشايخ قبائل الأحامدة الذين التابعين له في الرأي، واصطحبهم إلى ساحة بدر، حيث التقى بأحمد طوسون باشا. وبعد أن أعطوا المواثيق والتأكيدات حسب الأصول، ألبس أحمد طوسون باشا كل واحد من المشايخ عباءة [معطفاً] حمراء، وشالاً من الكشمير الأحمر.
ولقد انعقد المجلس العسكري، وقرر، بناء على من اقترح الشيخ جزا وتصويباً لرأيه، كتابة رسالة خاصة تتضمن نصيحة مؤثرة إلى حسن قلعي جاوش، الذي كان قد عينه سعود بن عبدالعزيز قائداً للوهابيين القاطنين في المدينة المنورة،//206//وهو الذي يعد حسب اعتقاد سعود من جملة رؤساء الأشقياء المخلصين له والمعتمدين عنده. وأرسلت هذه الرسالة إلى حسن قلعي جاوش بواسطة اثنين من أهل المدينة، موجودين مع فرقة أحمد طوسون باشا، وهما محمود عبدالعال أفندي وحسين أفندي. وفيما يلي نص تلك الرسالة التي أرسلت إلى حسن قلعي جاوش.
صورة الرسالة
سعادة حسن قلعي أفندي
فليكن معلوماً لديكم أن والدي الموقر محمد علي باشا//207// قد كلف بإرادة سامية من السلطان، بأن تخليص بلاد الحجاز المباركة من قبضة الوهابيين الظالمة، وفتح أبواب الحج والزيارة أمام حجاج المسلمين. وأرسلني إلى هنا مع قوات عسكرية غفيرة لتنفيذ الأمر السلطاني العالي، واجب الطاعة. وإنه سوف يأتي بنفسه إلى هنا في زمن قريب على رأس قوات عسكرية مجهزة، لا حصر ولا عد لها. ولقد شاع هذا الموضوع بين العربان، وأيقن كل واحد منهم بصدق أن عبدالله بن سعود سوف يهزم ويقهر لا محالة، ولهذا توافدت قبائل العربان أفواجاً تعرض طاعتها وانقيادها للدولة.
ولأن شخصكم الكريم من أهالي المدينة المنورة الكرام، وأيضاً من أصحاب العقل والكياسة والفطنة، فقد اضطررتم إلى العمل مع الوهابيين والاتحاد معهم. وتدبيركم هذا يتسم بغاية الحكمة وبعد النظر، ويرعى المصلحة، وعلى كل حال هو موضع تقدير واستحسان.
والآن، فإن أنظار مولانا سلطان العالم، وحسن رعايته وهمته، متوجهة إلى بلاد الحرمين المحترمين ومنصرفة نحوهما. ولن يتخلى بأي حال وتحت أي ظرف عن استرداد البلدتين الطيبتين من أيادي الأشقياء، وسوف يتخذ كل الأسباب التي يتوقف عليها هذا العمل ويقتضيها من إجراءات. ولا مفر من طرد طائفة الخوارج الجبانة بالقوة العسكرية القاهرة من أراضي الحجاز السعيدة، وإجلائهم عنها مطلقاً. ولهذا عليكم الحذر من معارضة الإرادة السلطانية السامية، وتجنبوا الغفلة عن النتائج الوخيمة التي يمكن أن تحدث جراء ذلك. ونأمل منكم أن تقترحوا لنا الآراء الصائبة بخصوص تسهيل طريق استرداد المدينة المنورة، وأن تشعرونا بالرد والجواب الصائب في أسرع وقت، ونأمل بهذا أن تؤدوا خيراً كبيراً للأهالي العزل الذين لا حول ولا قوة لهم، وإنني آمل ذلك، وفي انتظار ما تمليه عليكم الشيم الكريمة التي فطرتم عليها وحصافتكم وفطنتكم".
وعين رجل بدوي من جماعة الشيخ جزا دليلاً ليرافق محمود عبدالعال أفندي وحسين أفندي اللذين مر ذكرهما، وكلفا بمهمة إيصال هذه الرسالة إلى حسن قلعي. وانطلقوا في طريقهم نحو المدينة المنورة.
//210//ولما وصل هؤلاء إلى المدينة المنورة كانت أبواب القلعة مغلقة، وطريق الدخول إليها مسدود.
وند منتصف الليل، دخلوا في مجرى العين الزرقاء، خرجوا من الماء الواقع في ساحة المناخة (في الجهة الداخلية من القلعة)، وأنجزوا مهمتهم.
وقرأ حسن قلعي جاوش الرسالة التي بعث بها أحمد طوسون باشا، ثم أعطاهم الجواب بقوله(وهو المطلوب). وقام من ساعته في تلك الليلة واستدعى رجلاً أو اثنين، من أصحاب الكلمة والرأي في كل حي من أحياء من المدينة، وأخذ عليهم عهود موثقة وتأكيدات بكتم الأمر، والمحافظة على سريته، بدأ في شرحه فقال:"لقد تسلمت هذه الرسالة من أحمد طوسون باشا، وتنفيذ ما ورد بها في غاية الصعوبة والإشكال، ولكن هذا، بالنسبة لكم وبالنسبة لي يعد بشارة بنعمة غير متوقعة،//211// فلنجتهد في هذا العمل معاً يداً واحدة، ولنفكّ أسرنا من أيدي الأعداء. ولنفتح الطريق أمام أولادنا ونسائنا ليتمكنوا من العيش أحراراً". ثم قرأ عليهم الرسالة في السر.
ولقد فرح الحاضرون كلهم وسرّوا بهذا الخبر، ودمعت عيونهم، وقالوا بهذه الجملة الجميلة:" جاء نعم المجيء"، وأقسموا على أن يكتموا الأمر ويخفوه، ثم قالوا لحسن قلعي جاوش:" نحن عاجزون عن إعطاء رأي في هذه المسألة المعضلة، واللطيفة، ولكن ما يراه سعادتكم وما يتخذه من تدبير، سوف نبذل قصارى جهدنا للقيام به وتنفيذه، ونضحي حتى آخر قطرة من دمائنا". ولما سمع منهم حسن قلعي هذا، قال لهم:" إن التدبير الذي سوف أتخذه في هذا الأمر، سوف أحدد لأحمد طوسون باشا//212//، الوقت والساعة، التي فيها ستنطلق أصوات البنادق من على سطح المنزل الذي أنا فيه الآن. والآن على كل واحد منكم أن يعود، ثم ادعوا جيرانكم، وأخبروهم بهذا الأمر سرّاً. وفي اللحظة التي يسمعون فيها صوت البنادق من فوق سطح منزلي، عليهم أن يتقلدوا أسلحتهم، ويسرعوا بالهجوم على الوهابيين الموجودين في أبراج القلعة ومتاريسها ومراقبها، وأن يقتلوا كل من يجدوه منهم، وأينما ثقفموهم، وأن يتفانوا في ألا يبقوا أحداً من الوهابيين سواء في القلعة أو في الحصون. وهذا هو فقط الواجب المناط بالأهالي. فإذا عملوا بموجبه وتقيدوا به، فسوف ننال هدفنا ومرادنا، وتزول إن شاء الله تعالى هذه المصيبة التي حلت بنا".
وكتب حسن قلعي الجواب التالي، المدرجة نسخة منه، إلى أحمد طوسون باشا//213//ال، وأرسله مع المدنيين اللذين ... ذكرهما، وعادا بطريق مجرى العين الزرقاء أيضاً.
صورة الرسالة
دولة ولي نعمتي سيدي وسلطاني،
لقد وصل أمركم السعيد إلى يد عبدكم. إن أهالي المدينة المنورة من القديم وهم يتمتعون بنعم الدولة العلية العثمانية، وبأنواع الألطاف والعناية السلطانية، مما يجعلهم يشعرون بالخجل. ولأنهم مخلصون بقلوبهم للدولة، فإن خروجهم من التبعية الموجبة للفخر، وسقوطهم أسرى وحيارى في يد الخوارج الظالمة، يعد لهم كارثة وداهية عظمى حلّت بهم. ولقد طلبنا المدد من أصحاب القرار عدة مرات//214// وأرسلنا مبعوثين منا لطلب النصرة، ولكن التعامل مع طوائف الخوارج الباغية، كان غير ممكن في عصر السلطان سليم خان. ولهذا اشتد الحصار على الأهالي، زاد التضييق عليهم، ولم تبق لهم قدرة أو طاقة على التحمل، فاضطررنا للاستسلام للوهابيين. ولأن التحرك والعمل بموجب الأمر السامي يعد منّة لأرواحنا ونعمة جليلة القيمة، فإن صرف الجهود من أجل طرد الأعداء من محيط دار الهجرة النبوية، وإجلائهم عنها، هو واجب وفرض عين على كل مدني، ولاشك إننا سوف نعمل بشكل أكثر من الجنود الموجودين بمعيتكم العالية. ويجب على العساكر المصرية السلطانية أن يظهروا في ساحة آبار علي، في يوم..كذا، الساعة… كذا.//215//وفي اللحظة التي يسمعون فيها صدى أصوات البنادق من المدينة المنورة، عليهم أن يهجوا دفعة واحدة على أبواب القلعة، وأن يدخلوا بدون توان من الأبواب التي ستفتح. وفي اللحظة التي أرى فيها، أنا خادمكم، العساكر المصرية السلطانية تظهر أمام آبار علي، فسوف أبدأ بإطلاق البنادق من فوق سطح منزلي. وسيقوم أيضاً أفراد الأهالي الذين يسمعون صوت البنادق تلك، وبموجب القرار السري الذي اتخذناه، بالهجوم على الوهابيين، فريق منهم يقتل الوهابيين في الأبراج والمتاريس والمراقب، وفريق منهم سيفتح بوابات القلعة وينتظرون دخول العساكر المصرية السلطانية.
ولقد تم بحث هذا التدبير مع المسؤولين عنه، وتم تعليمه للأهالي وشرحه لهم فرداً فرداً. ولكن أهم أمر هو اجتهاد العساكر في أن يكونوا في آبار علي،//216// في اليوم المحدد والساعة المعينة. فإذا لم يصل العساكر في اليوم المذكور، سيشاع تدبيرنا هذا ويعلن، مما يعد إهانة صارخة وظالمة للأهالي، وهذا ما أخشاه، وبه أختم كلامي". انتهى.
ولقد فرح أحمد طووسن باشا بجواب حسن قلعي الصائب هذا، وسرّ به غاية السرور، وأصدر أمر إلى عثمان كاشف، وهو أحد قادة الفرق المصرية، ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً من الفرسان، وأرفق معهم أربعمائة رجل بدوي من فرقة الشيخ جزا، ونبّه عليهم بضرورة التحرك وفق رأي حسن قلعي جاوش.
وبعث بهم لكي يصلوا أمام آبار علي في اليوم المحدد. ويعد عثمان كاشف من جملة الرجال المتمرسين بفن الحشد والتعبئة والهجوم، وذو تجربة كبيرة. وانطلق بالرجال الذين تولى قيادتهم وعددهم 473 رجلاً. وبلغوا آبار علي التي تبعد عن المدينة المنورة بمسافة ثلاث ساعات في جهة مكة المكرمة، ووصلوا إلى نقطة غير مستحكمة. وعلم الوهابيون في المدينة بوصول عثمان كاشف إلى مقدمة آبار علي. وفي الحال، جمعوا الأهالي، وقالوا لهم:" لن نأخذكم معنا هذه المرة، لاحتمال فراركم من جانبنا. ولكن يجب أن تتسلحوا جميعكم بأسلحتكم، وأن تبقوا في منازلكم في غاية اليقظة وكامل البصيرة. وبفرض المحال، أن الفرقة المصرية هزمتنا،//218// يجب عليكم أن تسرعوا إلى مساعدتنا ونجدتنا. وإذا لم تعينونا وتنجدونا، فستكون عاقبتكم فيما بعد وخيمة ووبالاً عليكم". ورد عليه الأهالي بجواب كله مداهنة ومسايرة لهم، فقالوا:" إن أولادنا ونساءنا وأموالنا ومتاعنا كله موجود بداخل هذه القلعة، ولهذا فنحن مطالبون ببذل الجهد لحفظها وحمايتها بشكل جيد. ولكن المهم انتبهوا أنتم لأنفسكم.وبناء على هذا، فنحن إذا طرأ لنا ترك القلعة للأتراك، فنحن لا نفهم لغتهم، ولا هم يفهمون لغتنا، وسوف ينهبون أموالنا، ويقتلون رجالنا، ويأسرون أولادنا ونساءنا. فهم قوم ليسوا من جنسنا".
وبعد أن سمع الوهابيون هذا الجواب، خرجوا من القلعة، وسار فريق منهم كالسيل نحو آبار علي، وفريق آخر تولوا حماية الطوابي في قباء والعوالي.//219// وأما من بقوا داخل القلعة فقد أغلقوا أبوابها، وتسلحوا بأسلحتهم.
وكان عدد الوهابيين الذين توجهوا إلى جهة آبار علي حوالي أربعة آلاف رجل ملحد، وكانوا تحت قيادة شقيق بداي بن مضيان، مسعود بن مضيان، الذي لا إيمان له. ولقد أدرك عثمان كاشف لأول وهلة، أنه لا يمكنه مواجهة عدو بهذه الكثرة، ويحاربه بأربعمائة وثلاثة وسبعين رجلاً. واضطرب، وتحير كثيراً. وأخيراً تذكر أن هؤلاء العساكر كلهم من الشجعان، ومستعدون لبذل أرواحهم وأنفسهم في سبيل الدين والدولة، فقام يخطب فيهم ويحمسهم ويعظهم، ويقدم لهم نصائح عسكرية، فقال:" أيها الرفاق، إن أمهاتنا ولدننا لمثل هذا اليوم. والعدو يسير إلينا اليوم وهو كله غرور وكبر. إن المعركة التي سنخوضها اليوم هي من أجل تخليص مدينة رسول الله، نبينا صلى الله عليه وسلم //220//واستردادها من أيادي الخوارج القذرة. وإن كان أعداؤنا يفوقوننا حقيقة في العدد بشكل كبير، إلا أن المثل يقول (الخائن خائف)، فكلهم جبناء خوافون يملؤهم الرعب.
والشيطان هو معين هؤلاء الأعداء، ونحن تعيننا نفحات حبيب الرحمن، صلى الله عليه وسلم، وناصرنا لطف الخالق العظيم وعنايته. وإذا ما بدأ حربنا وقتالنا بغاية الثبات، وكمال الإخلاص، فإن النصر والظفر سيكون حليفنا لامحالة، وسنقهر عدو الدين المبين وندمره البتة. وأهالي المدينة يذرفون الدموع عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويتوسلون إليه، ويستمدون عونه النبوي لنا لنحقق النصر والفوز. ومن يستشهد في هذه المعركة فهو شهيد، وفي معية النبي صلى الله عليه وسلم العالية، التي توجب المغفرة، وسينال أعلى الدرجات في الآخرة. وأرواح الشهداء، //221//وسكان الملأ الأعلى يراقبوننا ويتابعوننا. ألا يمكن أن يحصل لنا من روحانية هؤلاء ونفحاتهم الشريفة مدداً قوياً وعظيماً.
هيا أيها الرفاق، أروني شجاعتكم، فنعتمد على الله، ونسلّ سيوفنا ببسالة على هذا العدو المهين. هيا كبروا الله في صوت واحد، واهجموا، وهاأنا أتقدم أمامكم، وأهجم قبلكم. ومن كان يحب الله ويحب رسول رب الفلق فليتبعني، إلى الأمام تقدموا".
وبهذا حث الأبطال المصرية على القتال وأثارهم، ورفعت عساكر الموحدين أصواتهم بالتكبير في صيحة واحدة، وهجموا على الأعداء وهم يزأرون كالأسود الهائجة، واستمر القتال مستعراً مدة خمس ساعات متواصلة، وتلونت ساحة آبار علي المباركة باللون الأحمر، مثلما جاء في هذا النشيد الذي يقول:" هذا طريق الغزو والحرب، فانظر إذ تزينت الصحاري والجبال واكتست بالدماء القانية، بدلاً من زهور شقائق النعمان الحمراء".
ولم تصمد قوات الأعداء أمام هذا القتال الضاري الدموي، وتراجعت كلها. ولأن أبواب القلعة كانت مغلقة، فأسرعوا إلى طوابي العوالي وقربان، والتجأوا إليها، وتفرقوا صوب قرية قباء كأنهم صغار الحجل [الدجاج البري الجبلي]. وتعقبتهم القوات المصرية السلطانية فترة طويلة من الوقت، وقتلت من لحقت به منهم، ثم عادت منصورة ظافرة إلى آبار علي.
ولقد خشي رؤساء الأشقياء من الشجاعة المشهودة للعساكر المصرية السلطانية، وخافوا من أن اتفاق رجال قبائل الأحامدة مع القوات العثمانية على تشديد الحصار//223// على المدينة المنورة والتضييق على قلعتها. ولهذا استدعوا خمسة أو عشرة أشخاص من أعيان الأهالي، مثل محمد فلاح ومحمد طيار وحسن قلعي، وقالوا لهم:" إننا سوف نهاجم الأتراك مرة أخرى في حملة رجل واحد، ( وكان عددهم أربعة عشر ألف رجل). وستكونون معنا في هذا الهجوم، وإذا ما تعللتم بالأعذار الواهية للتخلف عنا، سوف نحصدكم أولاً بالسيف عن بكرة أبيكم، ثم نسير للهجوم على آبار علي. إنكم لا تتوانون في إظهار علامات طاعتكم لنا. ولكن بعض أحوالكم تدعونا حتى الآن إلى أن نشك ونرتاب في إسلامكم. فيجب عليكم أن تقسموا أمامنا، كل على حدة، بالأيمان المغلظة، وأن تعطونا المواثيق التي نطلبها منكم في هذا الشأن". ووافق الأهالي في الظاهر على عقد هذه المعاهدة حسب ما طلب وأراد الوهابيون،//224// وجعلوهم يطمئنون إليهم. وإذا كان أهالي المدينة المنورة قد وافقوا على المعاهدة المبينة أعلاه مع رؤساء الوهابيين، إلا أن هذه الموافقة كانوا مجبرين ومضطرين إلى ذلك، وعملية مسايرة ومداهنة لهم. فقد كتبوا رسالتين، واحدة لعثمان كاشف والأخرى إلى الشيخ جزا، الذي كان قد وصل أيضاً إلى آبار علي). وبعثوا بالرسالتين مع رجلين منهم. وسلك الرجلان طريق مجرى العين الزرقاء، ووصلا إلى مقر قيادة القوات المصرية في آبار علي. وكانت الرسالتان ذاتا محتوى واحد، ولكن واحدة بالعربية والأخرى بالتركية.
وهذه صورة الرسالة التركية الموجهة لعثمان كاشف:
بعد الألقاب الرسمية، لقد قررنا فيما بيننا،//225// أن نفتح أبواب قلعة المدينة المنورة أمام القوات المصرية السلطانية، غداً .. في الساعة …كذا. وحتى لايفوت هذا الوقت، تحركوا سريعاً الآن من آبار علي، واقتربوا من جدران القلعة. وإذا تأخرتم يوماً آخر، سيعلم أمراء غوغاء الوهابيين بقرارنا السري هذا، ولاشك أنهم سوف يأمرون بإعمال السيف في رقاب أهالي المدينة، ويرتكبون مذبحة عامة. وذلك، لأنه كان من بيننا من يوالي الوهابيين ويعمل لصالحهم. وللأسف لم نكن نعلم بهم، وكنا ندعوهم إلى مجالسنا السرية. نرجوكم ألا تتهاونوا مثقال ذرة في هذا الخصوص، واستردوا دار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من أيادي الخوارج، وأدخلوا الفرح والسرور على قلوب أولاد //226//سكان المدينة وعيالهم".
ووصلت هذه الرسالة إلى عثمان كاشف عند منتصف الليل، وبعد أن قرأه، أجاب المبعوثين بقوله:" إن شاء الله، سوف تروننا غداً أمام باب القلعة، في الوقت الذي حددتموه. وستحررون من قيد الأسر بعون الحق تعالى". ثم أرسلهم عائدين إلى المدينة.
وبدون تأخير أخذ العساكر والشيخ جزا، وبين لهم أنه سوف يتحرك إلى المدينة. ودخل المبعوثان القلعة من مجرى العين الزرقاء أيضاً، وبشّروا الأهالي. وبناء على هذا، تسلح أهالي المدينة كلهم في منازلهم، وركزوا أنظارهم نحو طريق آبار علي، ولم يغمض لأحد منهم جفن حتى الصباح.
ولما أسفر الصباح،//227//أطلقت فرقة عثمان كاشف الطلقات من المدفعية والبنادق، مما أصاب عصابات الأشقياء بالاضطراب والفوضى، واضطر رؤساؤهم إلى الفرار، واقتربوا أمام باب قلعة المدينة المنورة المسمى باب العنبرية.
وتقدمت الفرقة المصرية السلطانية بكل سطوتها وصولتها إلى أمام باب العنبرية. ولما حلّ وقت فتح أبواب القلعة، انطلقت أصوات رصاص البنادق الموعودة من منزل حسن قلعي جاوش. وحسب التعليمات، أشهر كافة الأهالي أسلحتهم، ومنعوا الوهابيين المتمركزين في أبراج القلعة ومتاريسها من الرد بالمثل على القوات السلطانية، وهددوهم. ولكن لم يوجد رجل شجاع لديه الجرأة لفتح باب العنبرية،//228// فالتجأت العساكر السلطانية إلى جدران القلعة لتحتمي بها، وانتظرت زمناً طويلاً فتح الباب.
ولو قدر في تلك الأثناء للوهابيين المحتشدين في جهات العوالي وقباء أن يهاجموا فجأة في ضراوة، فلا شك أن فرقة عثمان كاشف كانت ستنهزم، نظراً لقلة عدد رجالها، ولاشك أيضاً أن أهالي المدينة المنورة سيقتلون جميعاً، لافرق بين كبير وصغير، أو بين رجل وأنثى.
ولأن العساكر المصرية السلطانية لم تقترب من جدران القلعة، ولأن أهالي المدينة لم يفتحوا الباب، فقد استمر الوهابيون في الرمي بالمدافع والبنادق والحجارة من على الأبراج ومن الفتحات. ولكن فدائيي المدينة المنورة، الذين حملوا أرواحهم على أكفهم،//229// فتحوا باب العنبرية، ولم يأبهوا بالقنادبل والرصاص الذي أنهال عليهم، ودخلت القوات المصرية السلطانية إلى داخل القلعة. وبعد أن صارت فرقة عثمان كاشف بكاملها داخل القلعة، ساقهم إلى ساحة المناخة، وضع الفرسان، والبدو من فرقة الشيخ جزا تحت سواتر ودروع متينة أقامها من أجل حمايتهم من شر الأعداء، وحشدهم تحتها. وبعد ذلك، أغلق باب العنبرية الذي فتح له، وطلب الإمدادات من أحمد طوسون باشا.
ولقد فرح أحمد طوسون باشا فرحاً عظيماً عند سماعه أن قوات عثمان كاشف قد دخلت إلى داخل أسوار المدينة، وسر بدرجة لايمكن وصفها. ولهذا، أرسل إمدادات لفرقة عثمان كاشف، مكونة من ثلاثة آلاف رجل، وعلى رأسها ثلاثة من القادة، وهم: زعيم أوغلي، وحسين بك،//230// وشرارة، وبنابورت. وقطعت هذه العساكر المسافة وطوتها في زمن قصير جداً، ووصلت إلى المدينة المنورة، ونصبوا خيامهم خارج السور. وكان وصول هذه القوات بشكل مفاجئ وغير متوقع، كالخضر[عليه السلام] ، إغاثة عاجلة وقوتاً لقلوب فرقة عثمان كاشف وفرق الشيخ جزا، الذين دخلوا قبل عدة أيام إلى داخل سور المدينة، ونفدت منهم المؤن والزاد. وفي الوقت نفسه، أصابت هذه القوات رعاع الوهابيين الذي كانوا قد تحصنوا في طوابي قربان والعوالي وقباء، بالهول والرعب، فاضطروا إلى تركها، وفروا. أما الوهابيون المتحصنون في القلعة الداخلية،//231//لما رأوا أن العساكر المصرية الشجاعة قد استولت على أطراف القلعة، وعلموا بفرار عبدالله بن سعود ومعه مسعود، شقيق بداي بن مضيان، وغيرهما من رؤساء الأشقياء، وقد اصطحبوا معهم الوهابيين المتحصنين في جهات العوالي وقربان، وفروا، أدركوا أنه لامجال لوصول نجدة أو إمدادات إليهم. وبالرغم من ذلك، استمروا في القتال على سبيل العناد، وأخذوا يرمون الأهالي والعساكر السلطانية بالمدافع والبنادق بكل همتهم. وبناء على هذا، قام أحمد آغا، وهو من عقلاء القادة واشتهر باسم بنايورت، بوضع مدفع كبير بعيد المدى على ذروة جبل سلع، الواقع في جنوب المدينة المنورة، وأخذ يضرب به القلعة مدة طويلة. ولما أدرك أن الأسلوب لم يجد نفعاً،//232// التقى بحسن قلعي جاوش، الذي أشار عليه بحفر ألغام تحت القلعة، ونسفها في الهواء. وبعد أن أصدر أوامره بتنفيذ ذلك، أرسل إلى الوهابيين عود الحيدري الأحمق، وأعلمهم أنهم إذا تخلوا عن أسلحتهم، سيحصلون على العفو والأمان، وسيسمح لهم بالذهاب إلى حيث يشاءون. ولكن عود الحيدري هذا، كان من أعوان سعود بن عبدالعزيز السريين، فحرض إلى الوهابيين وحثهم على مواصلة صب القذائف على الفرقة المصرية والتضييق عليها، وأخبرهم أيضاً بموضع حفر الألغام، وطلب منهم الحذر والتنبه لتلك الجهة. وعلم أحمد آغا بنابورت بالأمر، وبناء على ذلك، قرر التخلي عن حفر الألغام التي بدأ فيها،//233// وباشر الحفر لألغام أخرى، في موضع يقع تحت البرج القوي المحصن المتصل بحمام محمد باشا، ثم أشعل فيه النار وفجّره. وكان حفر الألغام للمرة الثانية أيضاً من جملة تدابير حسن قلعي جاوش، ولم يُعلم أحداً بموضع حفر هذا اللغم قبل أن يكتمل العمل به، حتى أحمد آغا بنابورت لم يعلمه به.
ولقد نسف اللغم برج القلعة ذاك في الهواء، وحوله إلى ركام، ونتج عنه طريق يسمح بمرور عشرة رجال بدناء [بدينين] متلاحين متلازمين جنباً إلى جنب. وعبر من هذا الطريق الواسع حوالي ألف رجل من فدائيي الفرقة المصرية السلطانية، ودخلوا القلعة. ولكن خرج عليهم أكثر من ألفي رجل من الوهابيين وجابهوهم، وتبادلوا مع طليعتهم الرمي بالرصاص والقذائف من بين الأبنية والجدران، وواجهتهم. وبالطبع لم يتمكن الفدائيون من التقدم.//234// ولكن جاءت من خلفهم قوة من الفدائيين المحليين الذين رتبهم أرسلهم حسن قلعي، وحمسوهم وبعثوا فيهم الحمية، فهاجموا الوهابيين مع العساكر المصرية بضراوة، حتى دخلوا بستان محمد باشا. وفي هذه الحملة الدموية المظفرة لم يسقط سوى شهيد واحد، وجريح واحد فقط.
ولقد أحدث دخول الفدائيين إلى بستان محمد باشا خوفاً وفزعاً لايوصف في قلوب الوهابيين المرعوبين. ولكن في نهاية البستان يوجد زقاق ضيق جداً ومظلم، وأحكم رعاع الوهابية جانبي هذا الزقاق بمتاريس لا عدد لها، وأقاموا على رأس كل زواية استحكاماً كالطابية، ووضعوا بهذه الاستحكامات حراساً حماة. ولهذا لما تقدم الفدائيون حتى بستان محمد باشا،//235//وجدوا أن النقطة التي هم بها هي حقيقة موقع خطر. وأجبرت المخاطر المتوقعة الفدائيين إلى التوقف فترة طويلة داخل البستان. وأخيراً قام رجل من أهل المدينة، يدعى درويش دشيشة، يتصف بصفات الإقدام [كصفات علي بن أبي طالب]، بمباغتة المتراس الأول في ذلك الزقاق الخطر، وهاجمه ولم يبال بالمخاطر المتوهمة مهما كانت، وقتل حراس الأعداء حماة ذلك المتراس. وداخل الرعب الوهابيين الموجودين في بقية المتاريس من الهجوم القوي الذي شنّه درويش دشيشة، غير هياب، فهربوا دون أن يواجهوه. وعند ذاك تحمس الفدائيون، الذي كانوا قد توقفوا داخل بستان محمد باشا في دهشة وحيرة من أمرهم، وحملوا كلهم حملة شجاعة//236//، وهجموا على الوهابيين، وبدأوا في تقطيع أوصالهم كما يفعل القصاب.
وحمي وطيس القتال بوصول الفرقة المصرية والبدوية مدداً لهم بعد ذلك، وسهل عليهم قتل الأعداء لدرجة أن رجال الفرقة المصرية السلطانية أصاب أبصارهم غشاوة، فعجزوا عن التمييز بين أهالي المدينة المنورة وبين الوهابيين الخبثاء، وأعملوا القتل فيهم. ولهذا، ألبسوا المحاربين من أهل المدينة طرابيش العساكر على رؤوسهم. وفي الوقت الذي فيه وصل الأمر إلى هذه الدرجة من الحماقة والبلاهة، واصل الوهابيون عنادهم وإصرارهم على المقاومة، ولم يطلبوا العفو والأمان.
وبعد استمرار القتال الشرس مدة طويلة،//237// رأى الوهابيون أن لاقبل لهم في تحقيق النصر على عساكر الموحدين، فلجأوا إلى أبراج القلعة، وتحصنوا بها، وانزووا فيها، وتركوا الرد بالمثل على القتال، وطلبوا العفو والأمان. وقد غطت جثث الأشقياء كل جهة من داخل قلعة المدينة، وبطبيعة الحال أدخل هذا المنظر الفزع والهول إلى قلوب النساء الأهاي وصبيانهم. وقبل من نجا من القتل من رجال الوهابيين، الذين تعلقوا بطلبهم العفو والأمان، بالخروج إلى مكان يبعد عدة ساعات خارج المدينة المنورة، لحمايتهم من تسلط أهالي المدينة المنورة وانتقامهم منهم.
واتخذ قرار بين القادة بإحالة هذه المهمة أيضاً إلى عهدة عثمان كاشف. وبناء على هذا القرار قام عثمان كاشف مع قوة كافية من الفرسان باصطحاب الوهابيين الذين رضوا بوضع أسلحتهم مقابل الحصول على الأمان،//238//وأخرجهم من المدينة.
ووصل الوهابيون إلى وادي (العريض)، وهم تحت حماية فرقة عثمان كاشف، ومجردون من السلاح.
ولكنهم بالرغم من ذلك، حاولوا الانتقام لأنفسهم من عثمان كاشف، والتشفي منه بقتله، إلا أن عثمان كاشف فطن لنيتهم الغدر به، فهاجم الوهابيين، هو ومن معه من الفرسان، وقتلهم حتى لم يبق منهم سوى سبعة رجال.
وكان عدد الوهابيين الذين تركهم سعود العنيد حماة للمدينة المنورة هو أربعة عشر ألف رجل. ولقد هلكوا جميعاً، سواء كان ذلك في القتال الذي جرى في داخل القلعة، أو في الاشتباكات المتوالية التي حدثت في مواقع مختلفة. ولقد نجا أحمد الحنبلي الخبيث ومعه سبعة رجال من الملحدين، وتمكنوا من الهروب إلى الدرعية.
//239//وكان أحمد الحنبلي الخنزير هذا من مجاوري المدينة المنورة، وقضى زمناً طويلاً في تدريس علوم الفقه في الحرم النبوي الشريف. وأخيراً قدم البيعة لسعود بن عبدالعزيز، طمعاً في الجاه والمنصب، واختار طريق الرفض والإلحاد.
وإذا كان هذا الخائن الذي لا دين له قد تمكن من النجاة بنفسه من القتل الذي وقع في وادي(العريض)، واستطاع الوصول إلى الدرعية بصعوبة وفي حالة سيئة، إلا أنه لقي حتفه هناك، على الوجه الذي سنشرحه بعد قليل.
وبناء على هذا الانتصار الجليل تحرك أحمد طوسون باشا من ساحة بدر، متوجهاً إلى المدنية المنورة لزيارة الحجرة النبوية المعطرة والروضة الشريفة المطهرة.//240// وسارع في إرسال مفتاح البلدة المباركة إلى والده محمد علي باشا، الذي كان قد وصل بنفسه إلى جدة، ومعه قوات ولوازم عسكرية تحملها ثمان وعشرين سفينة. ولهذا لم يتوان محمد علي باشا في إرسال مفتاح المدينة المنورة حال وصوله إليه، إلى الآستانة. وكتب رسالة مفصلة إلى السلطان يبين فيها كيفية استرداد دار الهجرة النبوية الشريفة من أيادي الخوارج.
استرداد الكعبة الشريفة من أيادي الأشقياء التعساء
ولقد علم محمد علي باشا، حين وصوله إلى جدة، بطرد الطوائف الباغية من أرض مدينة الرسول الطاهرة. وبناء على هذا الخبر السعيد، ساق قوات عسكرية كافية من جدة، بقيادة مصطفى بك، لاسترداد مكة المكرمة منهم.//241// وأمر بأن ترسل القوات الزائدة عن حاجة الفرقة المصرية السلطانية التي يقودها أحمد طوسون باشا، الموجودة في جهة المدينة المنورة، على ساكنها أفضل التحية، بالتوجه إلى (أم القرى) مكة المكرمة. وأرسل أحمد طوسون باشا هؤلاء العساكر من المدينة المنورة، وفي أثناء الطريق صادفتهم قوات بداي بن مضيان، وشقيقه مسعود، اللذين لا إيمان لهم، واشتبكوا معهم في قتال، وهزموهم وفرقوا شملهم. والتقى هؤلاء العساكر مع القوات السلطانية المرسلة من جدة، واتحدوا في حملة واحدة على الوهابيين بمكة المكرمة. وتحت هذا الهجوم اضطرت قوات الأشقياء إلى التراجع والفرار. ولقد التجأ وهابيو مكة المكرمة إلى موقع (زعميم) المنيع،//242// وتحصنوا به. وكان غرض الوهابيين من التحصن بزعميم، الذي يعد موقعاً مستحكماً طبيعياً، أن يقطعوا السبل إليه، ويؤمّنوا أنفسهم من الهجوم الكاسح لقوات محمد علي باشا القاهرة، وبالتالي يمنكنهم أن يقوموا بين فترة وأخرى، بمباغتة الجيش السلطاني، ومهاجمته، ومشاغلته. وتلك الأثناء، يمكن أن تلتحق بهم قوات من الوهابيين، ينتظر وصولها من الدرعية، ثم ينطلقون بعد ذلك إلى مكة المكرمة لاستردادها.
ولكن قائد الفرقة المصرية القادمة من جدة، مصطفى بك، نظراً لشجاعته وإقدامه، قد أقسم أنه لن ينزل من على ظهر دابته ما لم يطرد الوهابيين، ويجليهم عن موقع (زعميم) الحصين. وانطلق برفقة أربعين رجلاً من الجنود الفدائيين، وهاجم نقطة (زعميم)، وطرد الوهابيين، وهم سبعة آلاف رجل، كانوا منهمكين في استحكام الطرق، والمخارج والمداخل وتحصينها. وشرّد الوهابيين دون أن يسقط من رجاله شهيد واحد،//243//واستولى على هذا المكان الحصين الذي يعد قلعة طبيعية وسيطر عليه.
استرداد الطائف من العدو الخائف
وبعد السيطرة مكة المكرمة، والاستيلاء على موقع (زعميم)، وتحصين النقاط والمواقع التي تحتاج إلى استحكامات وتشييد بشكل جيد، تحرك محمد علي باشا بقواته الساحقة الموجودة، من ميناء جدة، وتوجه إلى مكة المكرمة كل عظمة وهيبة واستعراض، وبادر إلى إعداد وتجهيز القوات العسكرية الكافية لاسترداد قلعة الطائف والسيطرة عليها.
ولما علم عثمان المضايفي الخائن، الذي كان محافظاً على الطائف من قبل شيخ الدرعية سعود بن عبدالعزيز، أن محمد علي باشا قد استرد أم القرى من أيدي الأشقياء،//244// وأن بداي بن مضيان وقواته قد منوا بالهزيمة، وشُتتوا، وعلم أيضاً أن هناك قوات كبيرة لا حصر ولا عدد لها، قد أعدت وجهزت لاسترداد قلعة الطائف، جمع أهله وأولاده وماله، وغادر القلعة، وفرّ إلى الجبال. وحين ذاك استقبل أهالي الطائف بالترحاب القوات المصرية السلطانية التي أرسلها محمد علي باشا، بقيادة مصطفى بك، وسلّموا إليه القلعة. ولما أخبر محمد علي باشا بما جرى، فرح وأظهر سروره. وبناء على هذا، وصل الباشا المذكور إلى قلعة الطائف، واستدعى الأهالي واجتمع بهم، وتأسف لهم عما لحق بهم من الظلم والتعدي والإهانة على يد الأشقياء،//245//وطيب خاطر كل واحد منهم بكلمات مؤثرة مناسبة. وطلب من كل واحد فيهم أن ينطلق إلى عمله وداره في أمن وأمان تامين، وأمرهم بالدعاء الخالص المتواصل لسلطان الدنيا ملك الملوك، السلطان الغازي محمود عدلي خان، وأن يرطبوا ألسنتهم بأن يسألوا الله له طول العمر ودوام العزة والشوكة.
ومع كل هذا، فبعد مرور عدة أيام، وصلت الأخبار بأن عثمان المضايفي الخنزير قد جمع طائفة من العربان، الذين لا عقل ولا دين لهم، واتخذ من موقع (السيل) مقراً لقيادته، وعزم على مهاجمة الطائف أو مكة المكرمة. فسيقت قوات عسكرية ساحقة إلى موقع (السيل)، وجرى قتال دموي ومعركة طاحنة، تثير عجب الخلائق وحيرتهم، انتهت أيضاً بهزيمة الوهابيين،//246// اندحرت تلك الفرقة الباغية القوية.
ولقد طالت معركة السيل وكانت حامية، وكان عدد القتلى من رعاع الوهابيين كثيراً جداً، حتى أن جثثهم قد تراكمت أكواماً. وفرح أهل الطائف فرحاً عظيماً لأنهم انتقموا من الوهابيين، وأخذوا بثأرهم.
ولم يبق في ساحة المعركة وهابي واحد على قيد الحياة، وبدت جثث الأعداء تلالاً وأكواماً في كل ساحة من ساحات مقر القيادة في السيل، ولهذا جرى الاعتقاد بأن عثمان المضايفي قد هلك معهم.
إلا أن عثمان المضايقي أدرك النهاية الدموية للمعركة، وعلى هذه الحال، لن ينجو أحدٌ من الأشقياء، نجا بنفسه من القتل، وفر عارياً //247//بدون أن يستره شيء، والتجأ إلى مغارة وجدها في طريقه، وأقام بها.
وكان محمد علي باشا يتلقى التهاني في الطائف بمناسبة انتصاره في هذه المعركة الدامية المظفرة، وبعد عدة أيام، وفد البدو على الطائف للتهنئة، وكان من بينهم رجل تعرض للظلم، وذكر أنه عثر على رجل ضال عارٍ من الملابس يقيم في المغارة المذكورة، وأنه سأله:" من أنت؟ وما سبب جلوسك عارياً هكذا؟" فأجاب بقوله:" أنا محافظ الطائف السابق الذي يدعى عثمان المضايفي. هزمت من قوات محمد علي باشا في معركة السيل، وتمكنت من الهرب إلى هنا والنجاة بنفسي. فلو أعنتني على الخلاص من المأزق والوضع الخطير الذي وقعت فيه، وقدمت لي بعض الطعام والشراب،//248//وأمنّت لي بعيراً، فسأكون مديناً لك بحياتي، وسوف أقوم نحوك بما يليق بمكانتي، وبما أنا أهله من الإنسانية. واعلم إنني اليوم، وإن كنت قد فررت ونجوت بنفسي، فإنني سوف أؤمن لك ولأبنائك ولكل أسرتك حياة مرفهة حتى آخر العمر، وسيعيشون في راحة بال، وسوف أدخلك في مصاف عظماء الرجال بالحجاز. وعدا عطاياي الجزيلة، فإن حاكم الدرعية سعود بن عبدالعزيز أيضاً سوف يحسن إليك، ويرعاك، وسوف تكون من أول السعداء المحظوظين في هذه البلاد المباركة. فإذا كنت تقرأ نتائج الأحداث وتعلم ما ستؤول إليه الأحوال، لأردفتني، وحملتني معك. فأنا أساوي عند سعود ما يعادل خمسة أو عشرة آلاف وهابي. ويتحدثون في محافل القادة بمقدرتي ونجاحي،//249//وإذا كنت تقدر النتائج فلا تتوان لحظة واحدة في إنقاذي، ولاتفوت هذه الفرصة". وقلت له:" فهمت،.. فهمت، الحقيقة أنك رجل شهم ابن رجل شهم، ومكانتك وعلو شأنك في قلب كل شخص، وأهل الحجاز يفتخرون بكم. وأنا ليس لدي علم بما جرى من الحوادث في العصور السابقة، ولكن ما أتذكره، منذ أن وعيت وأدركت، أنه لم يحظ أحدٌ في بلاد الحجاز المباركة بما نلته أنت من الشهرة. ولاشك أنك من الرجال الذين يقفون عند كلمتهم. كم أنا رجل محظوظ بمصادفتك في طريقي. وأنا أيضاً أعلم لو أنني تمكنت من إنقاذك من هذه الورطة الرهيبة، فسوف أحوز الشرف والقدر العالي والرفعة بين العربان، وإنني سوف أنال حظوة ومنزلة عند سعود بن عبدالعزيز. الحذر ..الحذر، ارجع قليلاً إلى داخل المغارة،//250// حتى لا يراك أحدٌ، تنفّس بهدوء بقدر الإمكان، ولا تعسل، ولا تكحّ، ولا تعطس، ويجب ألا تصدر منك حركات خارج المغارة تثير الانتباه، فمن المحتمل أن تعثر عليك القوات المصرية، فتقتلك. ذلك إنني لم أجد مكاناً يخلو من القوات السلطانية، طوال المسافة التي قطعتها منذ أن خرجت من القرية التي كنت بها، وحتى وصولي إلى هذا المكان. والأتراك الذين صادفوني في الطريق كانوا بعد السلام والتحية يقولون إنهم يتحرون عنك. ولقد سمعت يقيناً أن محمد علي باشا سوف يكافئ من يقتلك، أو من يقبض عليك حياً، وأنت تعلم أن محمد علي باشا من وزراء الدولة العثمانية الذين يعنون ما يقولون، وعند وعدهم. بناء على هذا، فإنك إن وقعت في يد أحد من الأتراك، فسوف يقتلك ويحمل رأسك إلى الباشا المذكور،//251// أو يقيد يديك ويأخذك حياً ويسلمك إليه، لكي ينال المكافأة والعطايا". وبهذا الكلام اطمأن عثمان المضايفي وأمن وعاد إلى القرية.
وكان هذا البدوي قد تعرض للضرب والسب والشتم بحكم من عثمان المضايفي الملعون بدون وجه حق، عندما كان محافظاً على الطائف، أي في فترة حكمه الظالمة. وبعد أن أقنع هذا البدوي عثمان المضايفي الأحمق، وغرر به على النحو الموضح أعلاه، قال في نفسه:"وأنا الآن سوف أثأر لنفسي وانتقم منك". وتوجه إلى قريته، وجمع إخوانه وأبناء عمومته، وعاد، وحمل عثمان الملعون على ظهر بعير، ثم كتف رجليه وقيدهما جيداً، واتجه به إلى الطائف.
//252//وفي الواقع، كان عثمان المضايفي ، يتضرع ويتوسل إلى هؤلاء البدو بألا يأتوا به إلى الطائف. وبالرغم من كل ما بذله لهم من الوعود الكثيرة، إلا أنهم لم يأخذوا بتوسلاته هذه، ولم تأخذهم الشفقة به، أو يتأثروا بحاله، ولم ينخدعوا بوعوده الواهية الكاذبة. ولم يجد أمامه إلا أن يحتال عليهم بالبكاء والنحيب، ولكنهم لم يلتفوا إليه، وساروا به مباشرة إلى محمد علي باشا، وسلّموه وهم يقولون:" هاهو الذي يدعى عثمان المضايفي، الغدار الذي لا شرف عنده ولا عهد له. قبضنا عليه في المغارة الفلانية، وأتينا به إلى سيدنا". وقام الباشا المذكور بإرساله مقيد اليدين والقدمين إلى الآستانة، لأن هذا الخائن الذي لا دين له، كان من وزراء سعود بن عبدالعزيزالآثمين.
ولما أخبر الباب العالي باسترداد مكة المكرمة من يد الأشقياء، وانسحاب من نجا من القتل منهم إلى الدرعية، صدر الأمر السلطاني العالي، الذي يقضي بإرسال الشريف غالب وثلاثة من أبنائه إلى سلانيك، وإرسال طامي الملعون الذي استولى على بلاد اليمن بعد القبض عليه إلى إسطنبول أيضاً.
ونتيجة للهزائم المتوالية التي مني بها الوهابيون في جهات ومواضع مختلفة، تأثر سعود بن عبدالعزيز ومرض في الدرعية، واشتد به المرض حتى فسد جسمه وتعفن، وصار لحمه يتناثر قطعاً. وعلى هذا الحال رحل إلى بئس المصير. وبعد انتقاله إلى مقره في جهنم، تولى الحكم ابنه عبدالله،
الذي كان والياً على المدينة المنورة. ولهذا بقي الاستيلاء على المدينة المنورة مسيطراً على خياله المحال. فجمع أعداد لا حصر لها من الوهابيين، وجهزهم وحشدهم، ثم تحرك بهم من الدرعية. وعلم أحمد طوسون باشا بالأمر، وقرر التعامل بالمثل، فاصطحب القوات المصرية السلطانية الموجودة بالمدينة المنورة وخرج بها لمقابلته. والتقى الطرفان في مواقع بين الحناكية والقصيم، واشتبكا في معارك سجالاً، ولكن مشايخ العربان سعوا بالصلح بينهما، ورضيا بذلك. ولهذا عاد أحمد طوسون باشا إلى المدينة المنورة، //255//وعاد عبدالله بن سعود إلى الدرعية.
ولما علم محمد علي باشا بهذه الهدنة والمصالحة، تحرك سريعاً إلى المدينة المنورة، وأرسل أحمد طوسون باشا إلى مصر. وأخيراً عين عابدين بك محافظاً على المدينة المنورة، وعاد هو نفسه أيضاً إلى مصر القاهرة.
وبعد مدة، عاودت عبدالله بن سعود فكرة الاستيلاء على البلدتين المقدستين، فجهز جموعاً من الوهابيين وأعدّهم لذلك. ووصل هذا الخبر عن طريق أهالي الحرمين الشريفين، فأخبر الباب العالي به، فصدر الأمر السلطاني من الخليفة بالقبض على عبدالله بن سعود مهما كلف الأمر، وإرساله إلى إسطنبول، أو قتله وإعدامه. وبناء على هذا الأمر، جهز محمد علي باشا القوات العسكرية اللازمة وأرسلها بقيادة ابنه إبراهيم باشا//256//إلى المدينة المنورة. ولما زار الباشا المذكور الحجرة النبوية المعطرة وجد أن المسجد النبوي الشريف بحاجة شديدة إلى تنظيف وتطهير تام، فأمر من فوره في ذلك اليوم بكنس الحرم النبوي الشريف وغسله بشكل فائق. بالفعل، كُنس المسجد الشريف في اليوم التالي، وغسل على الوجه المطلوب. ولقد اشترك إبراهيم باشا بنفسه في هذه الخدمة الجليلة التي تستوجب المغفرة، واشترك فيها أيضاً كافة الضباط العسكريين والأعيان والأشراف بدار الهجرة العلية، وقد اكتسوا أفخر الثياب والملابس. وجلبت قدور عظيمة عند باب السلام وباب الرحمة، وقام السقاءون بتوزيع شربات السكر [السكر المذاب في الماء] على المشاركين في هذه الخدمة الدينية المهمة.
ولقد تجاوز عدد المشاركين في هذه الخدمة الشريفة ألفي شخص من الأمراء والقادة والأعيان، وكلهم أخذوا المكانس بأيديهم، وكنسوا وهم فخورون بتأدية هذا العمل، ورفعوا التراب والغبار ومسحوا وجهوهم وأيديهم بكل تذلل وخضوع بأرض الحرم النبوي الشريف.
وكان إبراهيم باشا أحياناً يقوم بكنس الأماكن التي كانت من نصيبه، وفي بعض الأحيان كان يحمل قربة مملوءة بالشربات على كتفه، ويوزعه في سبيل الله على الكبار والصغار، من الذين انخرطوا في تنظيف الحرم النبوي الشريف، وكان يوزع الشربات وهو يردد البيتين التاليين [بالتركية]:
//258//قطعة شعرية منظومة
إن الملوك عبيد عند بابك يا رسول الله وحجرتك هي دار الأمان للعالم يا رسول الله
فأنا عبدك، ترى هل أنال شفاعتك وكل الأمم محظوظة في ظلك يا رسول الله
ومنذ أن خرج إبراهيم باشا من مصر بطريق البر، وحتى وصول إلى المدينة المنورة، كان يوزع الصرر والعطايا على عربان القرى والنواحي التي مرّ بها لاستمالتهم، وفي بعض الأحيان كان يظهر لهم سطوته وقوته، ويدخلهم في طاعته، فينقادوا له. ولهذا؛ لم تظهر أي حركات للعصيان أو قطع الطريق في بين عربان البلاد الواقعة في الطريق بين مصر القاهرة ودار الهجرة النبوية. وكذلك، لم يبق بينهم رجل واحد يفكر في اتباع عبدالله بن سعود.
//259//ولما فرغ إبراهيم باشا من تنظيف الحرم النبوي الشريف على الوجه اللائق، جمع سكان دار السكينة، وقام بتكريمهم فرداً فرداً، وملاطفتهم. وبعد ذلك بعدة أيام، ساق كتائبه لمحاربة الوهابيين في الدرعية. واستولى على كافة القلاع والحصون الواقعة في طريقة حتى وصل إلى حصن الدرعية، ورتب في تلك القلاع عدداً كافياً من الحراس والحماة، ثم واصل سيره حتى نصب خيام معسكره أمام قلعة الدرعية النجدية الحصينة، في كامل القوة والسطوة والهيبة.
ولما رأى عبدالله بن سعود القوات السلطانية، في كامل الشجاعة والأهبة للقتال، قد اقتربت من أمام قلعة الدرعية انتقل إلى البرج المحصن المشهور في القلعة، والذي يطلق عليه القصر، (أي قصر سعود بن عبدالعزيز)، واحتمى به وبعد أن حصن أطرافه وجهاته الأربعة بإحكام،//260//ولقد ظهرت عليه علامات الخوف والحيرة والتردد، وأخذ يشير إلى مخيمات العساكر السلطانية، ويحرض الوهابيين على سفك دماء المسلمين، ويهذي بقوله: "جاء المشركون… جاء المشركون". وكان يبشر الوهابيين، ويفرحهم ظناً منه أن العساكر السلطانية لاتعدو أن تكون قطيعاً من غنم الأضاحي، فقال لهم:" بحق أبي سعود وجدي عبدالعزيز لأقتلنّ فريقاً من هؤلاء العساكر، ولأهزمنّ فريقاً آخر وأشتتهم. وكل ما جلبوه معهم من المعدات واللوازم العسكرية والأشياء والمتاع سوف أغنمها وأستولي عليها، ثم اقسمها عليكم". وحاول جهده إقناع الوهابيين بأنهم سوف يهزمون القوات المصرية السلطانية الباسلة في أول حملة، وإنهم سوف يشتتونهم شذر مذر. ولكنه//261//فقد صوابه لما رأى أن قلعة الدرعية قد حوصرت وطوقت من كل جهاتها، وأقيمت تحصينات متعددة في النقاط الحاكمة حولها، ونصبت المدافع الكبيرة، بعيدة المدى؛ ولهذا تخلى عن فكرة الهجوم على القوات السلطانية، وقرر الاكتفاء بالرد على الرمي والقتال من داخل القلعة.
وإذا كان عبدالله بن سعود لم يستصوب هذا القرار، فإن الوهابيين أيضاً لم يكونوا يفكرون في الهجوم. ذلك أنهم خبروا قدرة العساكر السلطانية في الحرب، وعلموا أن هذه القوات قد استردت من أيديهم، غير قلعة الدرعية، كافة القلاع والحصون الحجازية بالقتال والحرب، وقتلت من الأشقياء في هذا السبيل ما لا حصر له من الرجال.//262/ حتى أن عبدالله بن سعود بينما كان يخطب فيهم ويحمسهم ويشجعهم، لم يفصح في كلامه، وتلعثم، [سقطت الكلمات من فمه] وترك القلعة خالية، وانسحب إلى المكان المنكوب الذي يسمى (القصر). وكانوا يتأولون فكرة سقوط قلعة الدرعية في يد العساكر المصرية المظفرة، ويقولون فيما بينهم: "لو أمرنا عبدالله بن سعود بالهجوم، لن نطيعه".
وساق إبراهيم باشا القوات نحو القلعة، ولأنه لم يشأ أن يضحي بجندي واحد فيما لا طائل من ورائه، ضرب الحصار على القلعة مدة طويلة امتدت إلى خمسة أشهر ونصف، وضيق الخناق على الموجودين بداخلها، وشدد عليهم. وبهذا التدبير الصائب تمكن من السيطرة على القلعة من كل جهاتها بما فيها البرج الذي تحصن في عبدالله بن سعود نفسه.//263//وفي النهاية قبض على عبدالله بن سعود الشقي حياً، فقيده من يديه وقدميه وأرسله إلى مصر. وجمع كل ما وجده في ذلك القصر من الأشياء الثمينة التي كان اغتصبها والده سعود من خزينة الحجرة النبوية المعطرة، وأرسلت إلى مصر ومن سترسل إلى الباب العالي. وبعد ذلك، قام إبراهيم باشا بهدم قلعة الدرعية النجدية التي كانت بمثابة دار الندوة الوهابية، وسواها بالأرض، وجعل أبراجها ومراقبها مأوى للغربان والبوم.
ولما شاع بين العربان خبر القبض على ابن سعود، توافد الوهابيون فرداً فرداً على الباشا، سواء من داخل الدرعية أو من خارجها//264//، يطلبون الأمان، وجددوا إيمانهم ومذهبهم في الظاهر، بأن تركوا الدين الوهابي الباطل، وأبدوا الندم والأسف على ما قاموا به من أفعال الإلحاد والإهانة للحرمين الشريفين.
ولقد ساهم والي بغداد داود باشا مساهمة فعالة في فتح الدرعية، وفي إعطاء الأمان للوهابيين من عربان الحجاز، وفي إظهارهم الندم على ما فعلوا. ذلك أن الباشا المذكور قد عاون قائد الجيش في الحجاز إبراهيم باشا، بأن كلف أحد مشايخ بني خالد، وهو الشيخ ماجد العريعر وأخاه محمداً بمشاغلة وهابيي بغداد والتصدي لهم. فقد جمع ابن عريعر كافة رؤساء عشائر الوهابيين وشيوخ قبائلهم، وأقنعهم بأن يذكر اسم خليفة المسلمين على كل منابر مساجد الأحساء وجوامعها،//265//وأثبتوا طاعتهم وانقيادهم لوالي بغداد. واستعمل هؤلاء المشايخ والرؤساء ضد المعاندين من رجال القبائل والعشائر الوهابية. وبناء على هذا لم يستطع سعود الحصول على نجدة أو إمدادات من عربان بغداد، وبقيت مساندته تأتي فقط من الوهابيين بمنطقة الحجاز. وبالرغم من أن وهابيي الحجاز قد أظهروا عزمهم على مساندة الدرعية ودعمها، إلا أن إبراهيم باشا في تلك الأثناء قد دكّ جدران القلعة بالمدافع، وأحدث بها تصدعات وثغرات، مما أدى إلى تهدم أبراجها ومراقبها. ثم فتح قلعة الدرعية الخارجية في هجوم باسل، وألقى القبض عليه حياً، بعد أن أعمل سيف الانتقام //266//في أكثر أتباع ابن سعود وعساكره.
وبعد أن قُبض على عبدالله بن سعود، أُسر أيضاً ابنه خالد، وأعلم علماء الروافض أحمد الحنبلي الخبيث.
وكان خالد بن عبدالله بن سعود طفلاً في الرابعة من عمره، ولقد أخذه إبراهيم باشا إلى جانبه. وأما أحمد بن الحنبلي الخنزير، فلم يقتله الباشا رعاية للعلم الذي يحمله، ولكنه أمر بخلع أسنانه الاثنين والثلاثين دفعة واحدة، وربطه إلى سارية [عامود]، كأنه حمار بدوي، مدة ثلاثة أيام بلياليها، وأذله وأهانه، وشهّر به بين عساكر القوات المصرية. وبعد ذلك أرسله إلى مصر عن طريق المدينة المنورة.
ولما وصل ابن سعود إلى المدينة المنورة،//267// أطلقت المدافع طلقاتها لمدة ثلاثة أيام بلياليها ابتهاجاً بالقبض عليه، وأقيمت الاحتفالات والزينة في البلدة وفي الأسواق ومابين المحلات والحارات، وترك كل واحد البيع والشراء، وانطلقوا جميعاً ليبصقوا في وجه عبدالله بن سعود وفي عينيه. وفي اليوم الرابع رُحّل عبدالله بن سعود إلى مصر القاهرة، ومنها إلى الباب العالي الذي هو عاصمة الخلافة الإسلامية عن طريق الإسكندرية. وأخيراً، ألحق بهم أربعة من أبنائه، وكافة كبار أسرة محمد بن عبدالوهاب، وأتباعه وأعوانه، وشيخ سعود، أحمد الحنبلي، وكاتبه [وزيره] الثاني عبدالعزيز، وكاتب ديوانه عبد السريدية. وقد أرسلوا أيضاً إلى الآستانة بطريق مصر موثوقي الأيدي على ظهورهم.
//268//ولقد أثار عبدالله بن سعود نفور المجتمع الإسلامي وهيئاته منه بأفعاله وما ارتكبه من الإهانات والظلم، ولهذا كان يتجمع المؤمنون من أهالي القرى والنواحي والمدن التي مر بها، في الطريق من المدينة المنورة حتى الإسكندرية، ويأتون أفواجاً لمشاهدته، وإظهار فرحهم وسرورهم بالقبض عليه، ويبصقون في وجهه وعينيه حتى جعلوا امتلأ فمه؟؟؟؟؟؟؟؟؟ . وجرت الاحتفالات العظيمة في مصر [القاهرة] والإسكندرية، وكل مدن مصر وقراها، وتميزت تلك الاحتفالات بأنها كانت مبهرجة وفائقت كل ما أقيم من احتفالات في أي مكان.
لاحقة
بعد الهزيمة المنكرة التي لحقت بالملاحدة الوهابيين، تشتتوا في البلاد التي كانت تحت حكمهم، في القطيف والبحرين ومشيخة مسقط،//269// وأخفوا مذهبهم الإباحي والإلحادي، واستقروا هناك، واستطاعوا السيطرة والتمكين لأنفسهم فيها، وتوجه قليل منهم إلى بلاد الهند.
ولقد قام الوهابيون الذين أقاموا في البحرين والقطيف وسائر البلاد النجدية بنشر مذهبهم الإباحي سراً وفي الخفاء، وحافظوا على مذهبهم الوهابي الخبيث، بعد أن عدّلوا، إلى درجة ما، في اعتقاداتهم الدينية الباطلة. وبمرور الوقت تناسلوا وازداد عددهم، ووصلوا إلى درجة أنهم أصبحوا يهددون الناس ويضيقون عليهم. ولكنهم لم يفلحوا في إدخال سكان تلك البلاد في مذهبهم، كما صنع سعود وأبوه عبدالعزيز الشقي، الذي مأواه جهنم.
أما الذين هاجروا إلى بلاد الهند//270//لم يظهروا فيها المذهب الذي يعتنقونه وينتسبون إليه، وحافظوا فيما بينهم على المعتقدات الوهابية، وتمسكوا بها في غاية السرية. وبعد خمس أو عشر سنوات أفشوا السر، وأظهروا دعوتهم، ولكنهم لم يجرأوا على نشر مذهبهم. وقبل خمسة أو ستة عشر سنة، كان قد هاجر منهم خمسة أو عشرة حمقى ملاعين مع عائلتهم إلى مكة المكرمة، متذرعين بأداء فريضة الحج. وقرروا المجاورة بالبلدة المعظمة والاستقرار فيها قبل ثمان أو تسع سنوات. وكان هؤلاء الحمقى يؤدون عباداتهم وطاعاتهم على غير أحكام المذاهب الأربعة، ولهذا أدرك الأهالي أنهم ليسوا على مذهب أهل السنة، إلا أن سعيهم وطوافهم كان مقارباً لأصول المذهب الشيعي بطريقة ما، فحكموا عليهم //271//بأنهم من أتباع المذهب الشيعي.
وقبل سبعة أو ثمانية أعوام، اكتشف بعض فقهاء الحجاج الهنود أن هؤلاء الحمقى هم من الوهابيين الملاعين، وأخبروا الشريف الشريف عبدالله باشا، رحمه الله، بالأمر. وأمر عبدالله باشا باستدعائهم واستجوبهم، وسألهم عن مذهبهم، ولماذا اختاروا الإقامة في مكة وما مقصدهم من المجاورة بها؟. فأجاب الوهابيون:" نحن من بقايا أفراد المذهب الوهابي، وفي مذهبنا أن إمامنا هو جعفر الصادق. وقررنا المجاورة بمكة من أجل العبادة والقيام بطاعة ربّ العزة. والهنود يدعموننا ويعايشوننا قياساً على أهل السنة من مواطنيهم".//272// وهنا سألهم الشريف عبدالله باشا:"مادمتم على مذهب جعفر الصادق، فليس لهذا المذهب إمام مخصوص في الحرم الشريف، وليس له مقام خاص به أبداً. إذن، بأي إمام تقتدون وتأدون الصلاة خلفه". فردوا عليه بقولهم:" حسب مذهبنا، فإن لا يجوز التصديق بإمامة أحد غير الإمام جعفر، والاقتداء بسائر المذاهب الأخرى والصلاة خلف أئمتها يعد حراماً. ولهذا فإننا لسن بحاجة إلى إمام ولا مقام نصلي فيه في مكة. فنحن نصلي في أي مكان منفردين". وبعد أن أجابوا بهذا القول السخيف، أمر الشريف بترحيل هؤلاء الحمقى مع أهليهم بدون تأخير إلى جدة، ومن هناك أُركبوا سفينة هندية //273//أقلتهم إلى بومباي حيث أُجْلوا ونُفوا إليها". رحمة الله على الشريف عبدالله باشا.
إن ما ارتكبه الوهابيون من مظالم لا حدّ لها في أرض الحجاز المقدسة، صارت مضرب المثل على ألسنة أهالي الحرمين، خاصة بين أطفالهم، حتى أن أحدهم إذا أراد وصف ظلم شخص وغدره، شبهه بالوهابي، ويقولون تخويفاً للطفل الشقي:" جاء الوهابي".
ولما شاعت حوادث نفي الوهابيين، الذين كانوا من بين المجاورين الهنود بمكة، وإبعادهم إلى الهند، سارع الأهالي، كبيراً وصغيراً، إلى التجمع في المكان الذي أوقفوا فيه لمشاهدة هؤلاء، وكان الأطفال يصيحون في أفواج وجماعات بقولهم:"جاء الوهابي". ويدفعون الوهابيين أمامهم، ولم يتركوا السير وراءهم حتى اليوم الذي أخرجوا فيه من مكة،//274// وكانوا يهينونهم ويذلونهم ويقبحونهم. وكان عدد الأطفال الذين يبصقون في وجوههم، ويتلفظون عليهم بكلام بذيء، كثيراً ولا حصر لهم.

ووصل مفتاحي البلدتين الشريفتين إلى الآستانة
لقد فرح السلطان محمود عدلي خان، حافظ بلاد الله ومحافظ عباد الله، سلطان العصر والزمان، وسر سروراً عظيماً بهذه الفتوحات الجليلة التي تمثلت في استرداد الحرمين الشريفين من أيادي الأعداء.
وأصدر أمره العالي بإقامة مراسم الاحتفال الخاصة والمهيبة لاستقبال مفتاحي البلدتين الطيبتين، وليكون ذلك مناسبة لإظهار الاحترام والتبجيل للكعبة المعظمة وللحجرة النبوية المعطرة.//275//وبناء على الفتوى الشريفة التي صدرت من مقام دار الفتوى العالية تقرر ذكر اسم السلطان السامي مقروناً بلقب الغازي وقراءته من على كل المنابر والمحافل.
ولقد وصل أحد المفتاحين المباركين إلى الآستانة في اليوم السادس والعشرين من شهر محرم الحرام عام 1228هـ، وورد الآخر إليها في غرة جمادى الأولى من العام نفسه. وقضت الإرادة السلطانية السامية الصادرة بهذا الخصوص بتنظيم احتفال عظيم ومراسم جليلة لتعظيمهما.
ولقد اشترك في هذا الاحتفال المهيب كل من شيخ الإسلام والباشا القائمقام، والصدور العظام والموالي [قضاة الولايات]، ورجال الباب العالي وكل الضباط الأوجاقية.
ولقد بدأت هذه المراسم الفخمة من باب الجامع الشريف//276// المدفون به الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري، رضي الله عنه، وسار بالترتيب. واصطف المتفرجون من الأهالي على جانبي الطريق الممتد من هذا المكان حتى الباب الهمايوني [السلطاني]، وسار كافة رجال الدولة العلية العثمانية وهم في ملابسهم الرسمية، ومعهم أيضاً انطلق آغا دار السعادة عنبر آغا من القصر السلطاني العالي، وهو يحمل على يديه، بكل توقير واحترام، طبقان من الفضة المصقولة المجلاة، تم إعدادهما من قبل لهذه المناسبة، وساروا بكل وقار وسكينة. ولقد وضع على أحد الطبقين المفتاح الشريف لمكة المكرمة، وعلى الآخر المفتاح الشريف للمدينة المنورة. وحمل أحدهما عنبر آغا المذكور،//277//والآخر حمله كتخدا الدولة.
وكانت هيئة المراسم والاحتفال تتقدم وهي تردد في تؤدة الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بلطجية القصر القديم، المحيطون بالأمانات المقدسة من كل جهاتها الأربعة، يرفعون أصواتهم أيضاً بالتكبير الجماعي.
ولقد أسعد تخليص بلاد الحجاز المباركة من أيدي الخوارج قلوب كل أفراد المجتمع الإسلامي الكبير، وكان البلطجية يرفعون أصواتهم بالتكبير التي يقف من صداها شعر الرأس وتقشعر لها الأبدان وتصل إلى الملأ الأعلى. وداخل الأهالي الذين جاءوا لمشاهدة المراسم والاحتفال شعور بالتأثر والشوق العظيم، وذرفت الدموع من الرجال والنساء الذين اصطفوا على جانبي الطريق من منظر هذه المراسم المهيبة.
//278//وصار موكب استقبال المفتاحين وئيداً وئيداً، من شارع إدرنة قبوسي ماراً من طريق ديوان يولي حتى وصل إلى الباب الهمايوني. ولما وصل استعجل السلطان محمود خان، صاحب الخصال المحمودة، بخطواته تعظيماً، وتقدم لاستقبل المفتاحين الشريفين ماشياً. وسار أمام الموكب من أورطة قبو إلى حجرة البردة النبوية الشريفة. وأوصلوا المفتاحين بكل احترام وتوقير إلى تلك الحجرة، حيث كان بها المفتي، والباشا القائمقام، وبابا باشا، الذي كان ضيفاً على إسطنبول، والصدور العظام، والموالي [القضاة] الكرام، وكافة رجالات الدولة،//279//وجاملهم السلطان، ولاطفهم فرداً فرداً.
وبعد ذلك، شرف السلطان القصر القديم وهو في غاية الافتخار والابتهاج. وألبس خلع الفرو لكل من شيخ الإسلام السيد عبدالله أفندي دري زاده، والقائمقام رشدي باشا، وبابا باشا، وكذلك التتار [النجاب] الذي ... أن أحضر البشارة، وكتخدا باب مصر وترجمان الحرمين، ورئيس الغرفة الخاصة، وخلع عليهم كل حسب رتبته. وأنعم على إسماعيل بك، ابن محمد علي باشا الذي أحضر مفتاحي الحرمين، وحامل مفتاح الباشا المذكور لطيف آغا بطوخين لكل واحد منهما. وأنعم على والي مصر رفيع الشأن محمد علي باشا بالإحسانات،//280//وقرر مكافأته على خدماته المشهودة، فأرسل له مع قهوجي باشي [رئيس القهوجية] سعيد آغا سيفاً وقفطاناً وخطّ سلطاني بديع البيان.
وبمناسبة الابتهاج العظيم والفخر اللامتناهي أقيمت الاحتفالات في إسطنبول متوالية على مدى ثلاثة أيام بلياليها، شارك فيها منسوبو الباب العالي والأهالي الذين غمرهم الفرح والبهجة. وأرسل المبعوثون والرسل إلى البلاد الإسلامية لإعلامهم بهذا الخبر وتبشيرهم به، فكان هذا الأمر داعياً لبعث السرور والفرحة في كل العالم الإسلامي.

وصول الوهابيين المقبوض عليهم إلى إسطنبول

لقد اعترف كل الخلق بظلم الوهابيين، الذين هم من طوائف الخوارج، وسلم الناس بخيانتهم، فقد استولوا //281//على الكعبة المشرفة مدة طويلة من الزمن، وقطعوا طريق الحج إلى البيت العتيق، وألحقوا الأذى والجور بالحجاج الكرام. ولقد أسر رؤساء الوهابيين بعد جهد جهيد، وأرسلوا إلى الآستانة، فكان هذا سبباً في سرور السلطان وابتهاجه، فأمر بأن يشهّر بمن ورد من الوهابيين، وأن يجلبوا مكبلين بأغلال الحديد إلى الباب العالي.
وبناء على ذلك، جلب عبدالله بن سعود بن عبدالعزيز ورفاقه الخبثاء إلى مرسى الدفتردار، في موكب مهيب مكون من الضباط العسكريين ورجال الضبطية [الأمن]، وقد رُبطت رقاب هؤلاء الأشقياء بسلسلتين من جنازير الحديد، وقيدت أيديهم بأغلال قوية، وسحبوا من طرفيهم، وجلبوا من شارع ديوان يولي//282//إلى الباب العالي، ومن هناك أوصلوهم إلى سجن بستانجي باشي، ثم أرسلوا كل حدة إلى الجحيم، كما سنبين بعد قليل. ولقد اشترك في هذا الموكب، كل من نجيب أفندي، كتخدا باب والي مصر محمد علي باشا، وأيضاً آغا تاتار [المبعوث] الإدارة المصرية الذي أحضر هؤلاء الأسرى إلى إسطنبول، وخدام هذا الآغا ورفقاؤه، والجاووشية الديوان الهمايوني [السلطاني] الذين أرسلهم الباب العالي، والعسس باشي [رئيس العسس]، والصو باشي، ومن ماثلهم من الرجال. وبعد انتهاء استجواب الأشقياء، تأخر تنفيذ العقوبة بحقهم حتى تشريف السلطان إلى القصر القديم. وفي اليوم الثاني من شهر جمادى الأولى، سنة 1234 [للهجرة]//283//شرف السلطان القصر القديم في موكب مهيب، وجُلب عبدالله بن سعود المغرور ليمثل أمامه، وأوقف على رجليه مدة نصف ساعة في ذلة وحقارة، أصدر السلطان أمره خطاباً إلى الصدر الأعظم درويش باشا وشيخ الإسلام مصطفى عاصم مكي زادة، وقبطان البحر حسن باشا، بضرب عنق هذا الخائن الذي لا دين له، وإعدام رفاقه المهانين، كل واحد منهم يعدم في مكان مناسب يمكن أن يراهم كل الناس، وأمر أن يتولى هذا الأمر خليل آغا، البستانجي باشي، وينفذه حسب القواعد والأصول.
وأعدم الآغا المذكور [بستانجي باشي خليل آغا] عبدالله بن سعود في ميدان السراي [القصر]، وأعدم طامي القحطاني//284// أيضاً أمام قصر آلاي كوشكي [قصر الاستعراص]، وقتل الشخص الذي كان يتولى خزانة ابن سعود [خزينة دار] في سوق مرجان [مرجان جارشوسي]، وأعدم عثمان المضايفي أمام الباب السلطاني [باب همايون]. كما أُعدم بقية الأشقياء في أماكن متفرقة مناسبة لمشاهدة الناس لهم.
وحسب القول الذي معناه:" قطع نسل الوهابيين بسيف السلطان محمود خان"، فقد انقطع عرق عبدالله بن سعود الخبيث الذي استولى على بلاد الحجاز المقدسة منذ سنوات طويلة.
لاحقة
لقد أدت الإنجازات التي حققها والي مصر محمد علي باشا بتوجيهات من السلطان،//285// والتوفيق الذي حالفه في المسألة الوهابية، إلى غبطة السلطان وابتهاجه، وكانت سبباً في زيادة التوجهات السلطانية السنية نحوه، فقرر تكريمه والإنعام عليه إنعاماً خاصاً، فأرسل إليه مع الكاتب الثاني بالقصر[إيكنجي مابينجي] كاني بك، سيفاً وقفطاناً. وألبس كل كتخدا باب مصر نجيب أفندي، وتاتار آغاسي ورفاقه، وقبطان السفينة التي حملت الأشقياء خلع فرو السمور، وذلك بحضور الصدر الأعظم. كما ألبس أيضاً خدام التاتار آغاسي ورفاقه وطاقم السفينة خلعاً فاخرة. بالإضافة إلى ذلك، فقد أمر لتاتار آغاسي بحصة كاملة سنوية، قدرها خمسة أكياس [من النقود] مع أرباحها، ووزع عطايا سنية أيضاً على كل رفاق الآغا وخدمه، وقبطان السفينة وأفراد الطاقم والعاملين معه، //286//وأنعم عليهم جميعاً.
تتمة
لم يقتصر قطع طريق الحج والزيارة على القرامطة وجماعات الخوارج الباغية فقط، بل تظهر بين فترة وأخرى، أمور لا أصل ولا فصل لها، يتخذها الأشقياء ذريعة فيرفعون راية العصيان والبغي، وينهبون قوافل الحجيج، ويقتلون الأنفس، ويسلون عليه سيف الظلم والإهانة. وصار هذا من العادات الدائمة عند عربان بوادي الحجاز. فقد قام فليتة الخفاجي في عام 303هـ، وثار عرب جبل عرجون في عام 1062هـ، وثار أعراب البوادي في طريق البيت العتيق في سنوات 1085، و1112،و1113،و1115،و1121هـ، وهاجموا القوافل بغتة، شنوا الحرب عليها. وفي هذا الهجوم، قتلوا //287// بسيف الغدر والظلم، من الأنفس البريئة المعصومة، ما يزيد عن عدد حبات رمال صحراء الحجاز. ولكن عاقبة هذا الأمر، أنهم قهروا بسيف الشريعة الصارم، وأبيدوا بحسام السلطنة البتار، وراحوا إلى جهنم وبئس المصير. لعنهم الله تعالى
نسأل الله القادر تعالى شأنه عما يقولون، أن يحفظ أهل الإيمان ويصونهم من شرور الأشقياء، في ظل سلطان سلاطين الزمان، وخاقان خواقين الدنيا صاحب الشوكة والمقدرة السلطان بن السلطان عبدالحميد خان الثاني، وأن يؤيده بتأييده وتوفيقه الإلهي في كل أمر وحال، آمين بجاه من جاء رحمة للعالمين.
//288// خاتمة
قد تظهر في هذا التاريخ المختصر الخاص الذي كتبته في موضوع الوهابيين، بعض النواقص والأخطاء المتعلقة بتفرعات الأحداث والوقائع. إلا أن المصادر كل منها اتخذ اتجاهاً، وكتب بطريقة مختلفة، كما أن بعض هذه الوقائع كتبتها بعد أن سمعتها من كبار السن من أهالي الحجاز، وتنقيح هذه الوقائع وتعديلها يحتاج إلى كتاب مستقل. وإذا وضعنا صعوبة ذلك نصب أعيينا، فإنني واثق من أن القراء سوف يلتمسون لي العذر، وبهذا أختم كلامي. ومن الله التوفيق.

مدير مدرسة البحرية الإعدادية
الرائد/ أيوب صبري



  _ رد مع اقتباس
قديم (س 01:54 صباحاً) 29/04/2009, رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
سهم ابها
عضو مميز

الصورة الرمزية سهم ابها




  

 

سهم ابها غير متواجد حالياً


رد: هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

مشكور الله يعطيك العافيه



التوقيع

al-safeer202@hotmail.com

  _ رد مع اقتباس
قديم (س 02:22 صباحاً) 29/04/2009, رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
AL-ASSIRY
عضو مشارك

الصورة الرمزية AL-ASSIRY





  

 

AL-ASSIRY غير متواجد حالياً


رد: هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نصر مشاهدة المشاركة
وأعدم طامي القحطاني//284// أيضاً أمام قصر آلاي كوشكي [قصر الاستعراص]
أخي الكريم نصر ورد خطاء في أسم الامير طامي المتحمي في الترجمة التي أوردتها هنا وورد نفس الخطاء في ترجمة كتاب الكولونيل روتير في كتابه رحلة من تفليس الى استنبول , وكذلك ورد نفس الخطاء في ترجمة بعض مما كتبه المؤرخ الفرنسي فلكس مانجان .

تقبل شكري وتقديري لشخصك الكريم



التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  _ رد مع اقتباس
قديم (س 02:25 صباحاً) 29/04/2009, رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
وحي القلم
إدارة منتديات عســــير

الصورة الرمزية وحي القلم





  

 

وحي القلم متواجد حالياً


رد: هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!



شكري وتقديري لك أخي نصر

عند قراءتي لهذا الكم الهائل من التضليل

تبادر إلى ذهني أشاء وأشياء من نشأة

كثير من الضلالات والبدع و الخزعبلات

التي استقت مادتها من هذا الفكر الضال

وفي نظري ، أن ايوب صبري الضال المضل

يعد الأب الروحي للفكر الليبرالي المعاصر ،

والذين ينتهجون نهجه في تضليل العباد

ومحاولة نشر الفساد بقلب الحقائق ،،

فكما كان لظهور يحي بن زكرويه بداية

لنشأة فكر القرامطة الملحدين المنحرفين

والذي تدرجت طرقاته على التوالي لترتقي

في كل مرة من الأصغر إلى الوصول لنشأة

فكر ضال منحرف ، استقى مادته التشريعية

من التزوير والأطماع التي وصلت بمنظريها

إلى حجم الخمس مما يملكون وكلهم قناعة

كما صورت لهم موروثات ذلك المفتن المبتدع

يحي بن زكرويه ، بأن ما يقومون به هو من

صميم الطاعة المطلقة ، التي تجذرت في قلوبهم

كعقيدة صحيحة كما صورها لهم أسلافهم

الذين ضلوا سواء السبيل ، بسبب الجهل ،،

وهاهي الأصوات الليبرالية المعاصرة المنحرفة

والتي ما انفكت تردد عبارة الوهابيين فيهم

وفيهم بضحالة مفهومهم المنحرف المضلل ،،

تماما كما هي الحال عند هذا السبأي الضال

أيوب صبري ، فعليه من الله ما يستحق في

كل حرف خطه يراعه ، وفي فرية افتراها ،،

مع أجمل التحايا لكل من تنزه فكره عن مثل

هذه الضلالات المضللة للحقائق ،،

وتقبل وافر تقديري ومحبتي أخي الكريم نصر ،،







التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  _ رد مع اقتباس
قديم (س 02:41 صباحاً) 29/04/2009, رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
من قلب عسير
عضو مميز

الصورة الرمزية من قلب عسير





  

 

من قلب عسير غير متواجد حالياً


رد: هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

تحية لجهدك أخي نصر

وهؤلاء كما قرأت ولاحظت من مفرداتهم يفيضون حقدا على الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- الذي هدم البدع والقباب ونشر دين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم يسانده الامام الصالح محمد بن سعود - رحمه الله-

ولكنني لاأستغرب هذا فهو نابع من الحقد الذي نشأ عندما مُرغ بأنوفهم التراب في ديار الخير الدرعية والعيينة ,,, فلا تستغرب آثار الهزيمة تفعل أكثر من ذلك ,,,

تقبل تحياتي / من قلب عسير



التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

  _ رد مع اقتباس
قديم (س 08:39 صباحاً) 29/04/2009, رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
نبض الكلمة
عضو مشارك

الصورة الرمزية نبض الكلمة




  

 

نبض الكلمة غير متواجد حالياً


رد: هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

جهد مبارك عزيزي نصر بيض الله وجهك



  _ رد مع اقتباس
قديم (س 09:29 صباحاً) 29/04/2009, رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
خالد بن محمد
عضو مميز

الصورة الرمزية خالد بن محمد





  

 

خالد بن محمد غير متواجد حالياً


رد: هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

موضوع رائع شكرا لك




التوقيع

[

  _ رد مع اقتباس
قديم (س 12:45 مساءً) 29/04/2009, رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
الرايخ الثالث
عضو ماسي

الصورة الرمزية الرايخ الثالث




  

 

الرايخ الثالث غير متواجد حالياً


رد: هكذا صوروا قادة السلفية في عسير ونجد والحجاز.. وبعض الأحفاد يواصلون مسيرة الأعداء حاليا!!

المؤلف كتب من جهه غير محايده, وفيه نوع من التحريض السياسي.
الوهابيه مصطلح اول من اطلقه مستشرق انجليزي.

الوهابيه حركه تنويريه في عسير والحجاز ونجد, اختلف مع هذه النظره جملتا وتفصيلا, ان كان لهم نفوذ فكان في عهد امارة ال المتحمي.
والدليل ما صدر منهم اثناء دخول عسير سنة 1338هـ, وخصوصا قياداتهم من الخط الاول مثل الدويش وبن صاهود اللامي وبن حثلين وبن حميد.... والنتائج افرزت معركة السبله لاحقا, ثم خرجوا للجهراء بالكويت وجنوب العراق ودخلوا في مواجهات مع الانقليز, انتهت بالقبض عليهم وغروب شمسهم , باستثناء خالد بن لؤي الشريف الذي ارسل فيما بعد لتاديب الادريسي فمرض بابها ومات بجيزان, ربما ان عدم دخوله في مجازفات الخط الاول يرجع لخلفيته السياسيه واطلاعه على محاذير الانقليز للشريف حسين بما عرف (بمكماهون حسين) قبل ان ينشق وهي سوريا والعراق بما فيها الكويت وعدن.
الحركه يجب ان توضع تحت المجهر بما لها وما عليها, فلبس العقال كان كفر واكل ذبيحة البدوي الذي لم يتحضر غير جائزه, والتلغراف والسياره والزيارات الدبلوماسيه محرمه, والنقود التي تأتي من عند الانجليز يجب غسلها اولا لان مصدرها يد كافر.

المؤرخ محمود شاكر ذكر انه التقى اناس منهم فاعترفوا انه لم ياتي بهم الدين بل حبا وطمعا في الغنيمه, مؤلفه موجود(تاريخ اقليم عسير)
لك خالص شكري وتقديري.




التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


رحلتُ وماشوقي عن الإلف راحلٌ****وزلتُ وماعهد الرعايه زائلٌ
يمثل لي قلبي على البعد شخصه ****فتمثاله لي حيث ماكنت ماثلٌ
  _ رد مع اقتباس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

عناوين مشابهة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الصحابة من >>>>> عسير <<<<< رضوان الله عليهم أجمعين..........وبعض أقدم المساجد في منطقة عسير . نمر عسير التاريخ 21 (س 04:44 مساءً) 25/10/2007
أسيرة الأحزان تعود اليكم وهي أسيرة" لعسيـــــــر << أسيرة الأحزان عسير التواصل والتعارف 8 (س 10:26 مساءً) 26/08/2007
على مقدار مايصب في فنجال القهوة بين عسير ونجد ... كان الحوار كاتب من الوادي عسير العــام 22 (س 08:21 مساءً) 04/11/2006
الدعوة السلفية وجهود أبناء عسير دايم الغيم عسير التاريخ 0 (س 09:12 مساءً) 17/08/2006


الساعة الآن .


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by kootta.com
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
جميع الحقوق محفوظه لموقع عسير
==================

2020