لحجز مساحة إعلانية
ينتهي : 12-06-2014
ينتهي : 02-12-2014
مساحة إعلانيةمساحة إعلانيةمساحة إعلانيةمساحة إعلانية
 

آخر 14 مشاركات
نساء من عسير لن ينساهن التاريخ ،، وفاة على بن عبدالله بن شار أحد ضباط وزارة الداخليه
أنهاء تكليف مدير عام تعليم الرياض .. منصور بن متعب: أداء أمانة عسير.....
جمعية البر بأبها عطاء وإحسان سكر زيادة
النظافة غائبة المطار الجديد .....الموقع
هذا ما رأيته في محافظة تثليث تشغيل30 مدرسة جديدة بعسير
نعم .. إنه مدير تعليم نشيط العزيزة ونسيم الصباح: صوت وصورة
شهادات للبيع وفاة سليمان بن احمد ميمش
 
العودة   منتديات عسير > ~*¤ô§ô منتديات عسير الرئيسيةô§ô¤*~ > عسير التاريخ
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 
متصفحك لايدعم الفلاش
 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم (س 06:38 مساءً) 01/05/2008, رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الغـــــامدي
عضو فعال

الصورة الرمزية الغـــــامدي




  

 

الغـــــامدي غير متواجد حالياً


قبيلة الأزد والمنطقة الشرقية بالمملكة تاريخ عريق من قلم مؤرخ سعودي

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

دراسة

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

خالد النزر

كاتب وباحث سعودي - قسم التاريخ بجامعة وورد الأمريكية


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

تقديم

هذه الدراسة تتحدث عن تاريخ قرية بني معن في الأحساء وبعض القرى المندثرة من حولها. مصادر هذه الدراسة وجميع المعلومات التي توصلنا إليها هي مستقاة من مصادر مكتوبة تم الإشارة إليها، أو وثائق تم إرفاق صور منها، إضافة إلى البحث الميداني الذي كان له النصيب الأكبر، وذلك في نفس القرية حسب الإمكانيات الفردية المتاحة، وحديث مع العديد من أبناء القرية وكذلك مع العديد من الشخصيات التي لها دراية بتاريخ الأحساء وهذه البقعة بالتحديد، إضافة إلى المعلومات الشخصية كأحد أبناء الأحساء المهتمين والباحثين في تاريخها منذ سنوات عديدة. وينقسم هذا البحث إلى خمسة أقسام وهي:

1/ وصف القرية مع التطرق إلى نصوص من ذكرها من المؤرخين السابقين.

2/ سبب تسمية القرية والبحث في صحة ما يقال عن انتسابها إلى معن بن زائدة الشيباني.

3/ الحديث باختصار عن عراقة قبيلة الأزد في المنطقة (الأحساء والقطيف).

4/ البحث في تباين تسمية القرية عند أهالي الأحساء والمؤرخين، ما بين "بني معن" و"بني نعم" وأيهما الصحيح.

5/ البحث في القرى المندثرة حول قرية بني معن (بني نحو، الموازن، الشهارين القديمة).

6/ تعديد أسماء عوائل أهالي القرية وذكر ما اطلعنا عليه من أنسابهم، مع التطرق للعوائل التي انقرضت من القرية حسب اطلاعنا.

بني معن قرية عريقة في واحة الأحساء تحيط بها مزارع النخيل من جميع الجهات تقريباً، وتقع هذه القرية على بعد حوالي سبعة كيلومترات باتجاه الشرق من مدينة الهفوف، وبالتحديد على النقطة التي تمثل الإحداثيات التالية: [19.23'38 49 شرق] و[16.27'23 25 شمال].

كانت بني معن كباقي مدن وقرى الأحساء يحيط بها سور لحمايتها، وكان لسور بني معن أربعة دراويز - بوابات - من الشمال دروازة الخَدود ومن الشرق دروازة الصُفَيّة ومن الجنوب الدروازة الجنوبية ومن الغرب دروازة الموشّرة. وكان في الداخل عدة أحياء (فرجان باللهجة المحلية، ومفردها فريج) هي: فريق الصفيّة ويعتبر هو الحي الرئيسي والأكبر والأقدم بالنسبة للأحياء الأخرى داخل السور، والفريق الجنوبي وفي جهته أيضاً منطقة تسمى العشاش وهو تعبير محلي يطلق على المنازل المصنوعة من سعف النخيل، وفريق العطية نسبة لعائلة العطية زعماء القرية في الماضي، وفريق السادة نسبة لعائلة الهاشم، وفريق البوقرين نسبة لعائلة البوقرين، كما كان هناك عدة أحياء تقع خارج السور وهي فريق الموشرة وفريق الهبيّر وفريق الزعابلة. وفي الزعابلة كانت عين الماء الرئيسية في القرية والتي كان اسمها عين السِّيب وتسمى أيضاً بعين الزعابلة نسبة للمكان[1] . كما كان للقرية عينا ماء غير الزعابلة وهما عين المشِيطية وعين الجابرية، وجميعها جفت تماماً منذ عدة سنوات كغالبية عيون الماء في الأحساء[2] . وهناك أحياء حديثة اليوم في القرية تكونت في مواقع لبساتين ومزارع قديمة فحملت أسمائها وهي: القويع والمعامرة والبدوع والسراويل، كما أن شارع المقصب الذي كان يقع في قلب القرية أصبح الأهالي يطلقون اسمه على المنازل المحيطة به مما يوحي بأن هناك حي قديم يحمل هذا الاسم، لكن في الواقع لم يكن سوى شارع به محلات بيع اللحوم فسمي بالمقصب.

أما السور فقد ذكره فيدال في بداية الخمسينات الميلادية وقال أنه على وشك التدهور بالكامل، وصنفه ضمن مجموعته الثالثة التي تكون فيها أسوار القرى متكونة في أغلبها من ظهور المنازل المتراصة، وإن كنت لا أعتقد بأن تصنيفه لبني معن دقيقاً بالنسبة لسورها خاصة وأنه لم يشاهد سوى بقاياه حسب ما يفهم من كلامه. كما قدّر عدد منازل القرية بحوالي 250 منزلاً وعدد السكان بحوالي 1100 نسمة في ذلك الوقت. ومن ضمن عيون الأحساء ذكر عين الزعابلة على انها ينبوع صغير جداً غرب قرية الجبيل، كما ذكر عين الجابرية على انها ينبوع صغير غرب بني معن وملاصقة لها، أما عين المشيطية فذكر بأنها ينبوع صغير جداً غرب موقع بني نحو[3] ، وهذا غريب منه حيث أن عين المشيطية تقع شرق بني نحو وليست غربها، كما أن الزعابلة تعتبر بعيدة نسبياً عن الجبيل فهي داخل بني معن تقريباً، وكان الأولى أن يقرنها بها وليس بالجبيل. وذكر العبد القادر في بداية الستينات الميلادية هذه العيون الثلاث من ضمن عيون الأحساء دون أن يحدد مواقعهم، إلا أنه سمى عين المشيطية بالمشيطبية[4] وهكذا كتبت على اللافتة الحكومية التابعة لهيئة الري والصرف التي كانت بجوارها، ويبدو لي بأن المسمى الصحيح هو المشيطية كما ذكرها فيدال وكما ينطقها أهالي القرية. أما الجاسر في نهاية السبعينات الميلادية فذكر عين الزعابلة على أنها تقع داخل قرية بني معن[5] وكذلك الملا ذكر بأنها داخل القرية إلا أنها كُتبت لديه الدعابلة والصحيح الزعابلة[6] . هذا وقد تميزت هذه القرية في بداية الحكم السعودي الحالي بأنها كانت مقر لإسطبل الخيول الحكومية التابعة لإمارة المنطقة الشرقية حيث استخدمها الأمير عبد الله بن جلوي لهذا الغرض نظراً لقربها من الهفوف مقر الإمارة آنذاك، ولاحتواء بساتينها على المزروعات اللازمة لتربية الخيول، وقد كان ذلك يتم بالتعاون مع أمير القرية آنذاك الشيخ حسن بن محمد العطية[7] .

معن بن زائدة بين الحقيقة والشبهة

ذهب البعض من أهالي الأحساء خاصة من أبناء القرية، إلى أن مسمى بني معن هو نسبة إلى معن بن زائدة الشيباني، وبلا شك بأن الأحساء والمنطقة بشكل عام هي من منازل بني شيبان وعموم بني وائل وربيعة. ومعن بن زائدة شخصية تاريخية اشتهرت بالكرم والشجاعة والشعر، رغم أنه كان من الخواص المقربين لأبي جعفر المنصور حتى رُوي أن المنصور دخل عليه يوماً وقد أسنّ فقال له: كبرت يا معن، فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، فقال: وإنكَ لجلد، فقال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، فقال: وفيك بقية، فقال هي لك يا أمير المؤمنين. حتى أن هذا الكلام حين عرض على عبد الرحمن بن زيد أحد زهاد البصرة، قال: ويح هذا، ما ترك لربه شيئاً. وقد روى أبو الفرج أن هارون الرشيد، بكى بكاءً شديداً عند استماعه لمرثية مروان بن أبي حفصة في معن[8] . ورغم شهرة معن بن زائدة التاريخية إلا أن ما يتوجب معرفته هو أنه وفي آخر أمره عاش في سجستان حيث وُلي عليها، وقتل هناك على يد الخوارج ودفن بها، ولم نطلع على أي قبيلة أو جماعة تنسب إليه سواء في العراق أو إيران أو أي مكان آخر، وكل من اطلعنا عليهم من أسرته هما ابنه شراحيل وابن أخيه يزيد بن مزيد الذي أخذ بثأره. ورغم أن هناك من ينسب إليه قبيلة العوالق في حضرموت إلا أن هذا ليس بصحيح، حيث يثبت العولقي بالوثائق بأن كل ما في الأمر هو أن لهم جد اسمه معن بن زيد، وأنهم من نسل سيف بن ذي يزن ولا علاقة لهم بمعن بن زائدة الشيباني[9] . وكان الزركلي قد ذكر بأن العوالق ينسبون إلى معن بن زائدة لكنه عقب بأن بعض رجالهم ينسبون أنفسهم إلى ابن ذي يزن[10] .

وبناءً على ما سبق، لا أعتقد بوجود أي علاقة بين قرية بني معن وبين معن بن زائدة، وأرى بأن من قال بهذا إنما قاله من باب التوقعات والتخمينات. فهناك أيضاً من قال بأن كلمة "بني" هنا، المقصود بها "بناء" أي أن بني معن تعني بناء معن، كما قد نسمع بعض القصص البطولية أو الطريفة من كبار السن في بني معن والمنسوبة إلى الملك! معن بن زائدة حسب تعبيرهم، أو كما أطلق عليه أحدهم مسمى "الشيخ زايد" وهو أمير القرية الذي بنى مسجدها الرئيسي القديم المعروف بمسجد بومنارة وغير ذلك من القصص التي ربما خلطت بين شخصيات حقيقية كانت تتزعم القرية في الماضي وبين مقولة أن البلدة تنسب لمعن بن زائدة. فرغم أن هذه التكهنات تأخذ لها مكانة مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال، إلا أنها تبقى ضعيفة عند إخضاعها للبحث والتحقيق، فانتساب البلدة لمعن بن زائدة ليس مبني على تحليل منطقي أو خبر دقيق مكتوب أو متوارث. أما النقطة الأساسية الأخرى فهي أن الكثير من البلدات والقرى في المنطقة وحسب ملاحظاتنا الشخصية، إنما تنسب إلى بطون وقبائل بحيث تكون قد تشكلت كمجموعة بشرية متجانسة قام جزء منها بالهجرة إلى المنطقة فسُمي مكان سكناهم باسمهم. أما نسبة المكان لشخص، كما هو حاصل مثلاً للبطالية (بلاد بن بطال سابقاً) أو بحيرة الأصفر أو العوامية أو الجارودية فهذه التسمية لا يمكن سبقها بكلمة "بني" التي لا تدل غالباً سوى على الكيان القبلي. لذلك لا نرى قيمة أيضاً للتفسيرات التي اطلقها البعض، معتمدين على المعنى اللغوي لكلمة معن وارتباطها بالماء المعين والماء الجاري فوق الأرض، وأن ذلك له علاقة بوفرة المياه داخل وحول القرية وغير ذلك من هذا الكلام.

كان قد لفت نظري مسمى القرية الدارسة التي كانت تجاور بني معن ألا وهي قرية بني نحو، وسوف نأتي للحديث عنها بتفصيل أكثر، ولكن نريد اولاً أن نتوقف عند هذا الاسم قليلاً حيث سيكون هو دليلنا لمسمى القرية المجاورة. بنو نحو هم أحد فروع قبيلة الأزد، ذكرهم بعض النسابين مثل ابن الكلبي الذي ذكر أيضاً أن أبناء نحو هم عُجيفاً ومُعادياً ومُلاتمات ومُرا[11] وذكر بنو نحو أيضاً كل من الصحاري[12] والسمعاني، وهم بنو نحو بن شُمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد ابن الغوث. والنسبة إليهم "نحوي" حتى أن البعض كان يخلط بين النسبة إليهم والنسبة إلى نحو اللغة حيث أن الكثير من الشخصيات كانت تلقب بالنحوي نسبة إلى نحو اللغة، فمثلاً روى عدد من المؤرخين عن أبي أحمد العسكري أنه قال: "شيبان النحوي نسب إلى بطن يقال لهم بنو نحو بن شمس من الأزد وذكر ابن أبي داود وابن المنادي أن المنسوب إلى القبيلة يزيد بن أبي سعيد النحوي لا شيبان النحوي"[13] ، وحيث أن هذا الفرع من قبائل العرب وجدنا مسماه نادراً وغير متكرر في قبيلة أخرى حسب اطلاعنا، فكان من الطبيعي أن نربط بين قرية بني نحو وبين قبيلة الأزد، وما يدعم هذا الربط بالنسبة لي هو العلاقة العريقة بين قبيلة الأزد وبين منطقتنا، وكنت قد كتبت ذلك بشكل مقتضب قبل عدة سنوات وأشرت إلى علاقة قرية بني نحو بالأزد وبالتالي بني معن[14] ، إلا أن صدور التحقيق الأخير لشرح ديوان الشاعر الأحسائي جمال الدين علي ابن المقرب العيوني (572-631هـ)، والذي عمل عليه ثلاثة من أبناء القطيف، أتى بمعلومة هامة جعلتني أزداد بحثاً في هذا الارتباط من الناحية النظرية والميدانية، وهذه المعلومة لها علاقة بفروع قبيلة الأزد، لذلك دعونا أولاً نمر سريعاً على هذه القبيلة وارتباطها القديم بالمنطقة.

قبيلة الأزد وعراقتها في المنطقة

تعتبر قبيلة الأزد من أقدم القبائل العربية ومن أكبرها ومن أكثرها انتشاراً حيث توزعت على مساحات شاسعة من الأرض حتى توغلت في بلاد فارس شرقاً وبلاد المغرب غرباً، وذلك في حقبة تاريخية قديمة تعود لعهد الانهيارات التي أصابت سد مأرب في اليمن، خاصة الانهيار الكبير الذي حطم السد وهو ما يعرف بسيل العرم، المذكور في قوله تعالى: "فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ"[15] . ويقدر وقت حدوث سيل العرم بأنه قبل الإسلام بأربعمئة عام أو أكثر. هذا وقد كان الأزد مع ملوك الدولة الحِميَرية التي يحكى عن وصولهم إلى الصين مروراً بفارس والهند وكذلك إلى بلاد الروم، والتي حدد إدورد جلازر قيامها بعام 115 ق م[16] أي قبل تحطم سد مأرب بفترة طويلة.

وفي جميع الأحوال توزع الكثير من أهالي اليمن في البلاد، خاصة قبيلة الأزد التي منها الأوس والخزرج وخزاعة وغساسنة الشام ومناذرة العراق وغيرهم. وفي تلك الحقبة المبكرة يمكننا القول بأن العلاقة قد بدأت بين قبيلة الأزد والأحساء (هجر سابقاً)، فبعد العرب البائدة[17] تعتبر هي من أوائل القبائل العربية التي سكنت هذه المنطقة التي عرفت تاريخياً ب "البحران" (وما زالت النسبة إليها بحراني) ثم البحرين، وهي الممتدة من البصرة شمالاً إلى عمان جنوباً ومن الخليج شرقاً حتى نجد والدهناء غرباً والتي كانت مناطقها الرئيسية هي هجر والخط وأوال ومواقعهم الحالية على الترتيب هي في الأحساء والقطيف ومملكة البحرين. وكان أحد الشعراء من آل تبّع أسعد بن ملكي كرب يصف انتشار القبائل اليمنية في جزيرة العرب في قصيدته التي مطلعها "وقد فارقت منها ملوك بلادها" إلى أن قال عن مكانتهم في البحرين:


وأزد لها البحران والسِيـف كلـه = وأرض عمان بعد أرض المشقّر



والمشقر قصر بهجر كان من أشهر قصور الجزيرة العربية، ويعتقد بأن موقعه بالقرب من جبل القارة المعروف اليوم بالأحساء[18] . ومن بيت الشعر هذا، اقتبس الأخنس بن شهاب التغلبي عند إشارته لأبناء عمومته الربعيين من بني لكيز من قبيلة عبد القيس التي سيطرت على المنطقة لاحقاً، وذلك حين قال:


لكـيـز لـهـا البـحـران والسـيـف كـلـه = وإن يأتها بأس من الهند كارب(19)



وأسعد نفسه المعروف بتبّع الأوسط، نُقلت عنه قصيدة طويلة عن فتوحاته، يقول فيها:


ثم أحدثت في المشقر أرضاً = وجناناً تحلها النـاس بعـدي
ثم أنزلـت فـي عُمـان رجـالاً = يستعـدون مـن فـوارس أزدِ



ونقل عنه أيضاً، قوله:


وورثنا عمان قدماً بـأزد = غير هذا فتلك ... عمان



إلى أن قال:


فـأبـرنـا أهـــل المـشـقـر قـســراً = ثم رمنا زريحاً مع ساسان(20)



ومن النصوص التي يمكن الرجوع إليها في هذا المجال هو ما قاله الطبري أثناء حديثه عن هجرة القبائل العدنانية إلى المنطقة، حيث قال: "وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين، وبها جماعة من الأزد كانوا نزلوها في دهر عمران بن عمرو، من بقايا بني عامر، وهو ماء السماء بن حارثة، وهو الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد" ثم ذكر اجتماع عدداً من قبائل البحرين على التنوّخ - أي المقام- فتعاقدوا على التآزر والتناصر حتى أصبحوا يداً واحدةً على الناس تحت مسمى قبيلة تنوخ، وذكر أن مالك بن زهير دعا جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي إلى التُّنوخ معه، وزوّجه أخته لميس ابنة زهير، فتنخ جذيمة بن مالك وجماعة ممن كان في البحرين من قومهم من الأزد[21] . هذا وقد ذكر ابن دريد أن مكان التناوخ كان بعين هجر وهناك قتل سليمة بن مالك والده[22] . وأخبار نزول الأزد في البحرين ذكرها العديد من المؤرخين بصيغ مختلفة، ومنها نطلع على مكانة الأزد في المنطقة في تلك الحقبة ودخول جزء هام منهم في حلف التنوخ الذي ضم العديد من القبائل العربية البحرانية آنذاك كان أهمها قضاعة وإياد، وقصة التنوخ بعد ذلك معروفة حيث أصبحوا من ملوك الطوائف التي ملكها الإسكندر، وهجرتهم إلى العراق وتأسيس مملكة الحيرة...إلخ. وعند حديث اليعقوبي عن سيل العرم وتفرق قبائل الأزد في البلاد قال: "وخرج منهم قبائل إلى عمان، فكان أول من صار منهم إلى عمان: مالك بن فهم...، وتزوج مالك بامرأة من عبد القيس، فولدت له عدة أولاد" ثم عدّد جماعة من الأزد الذين لحقوا بهم إلى عمان ثم قال: "فلما صاروا بعمان انتشروا بالبحرين وهجر"[23] .

وهنا لا بد من الإشارة إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع بين ... عمان وأزد البحرين حيث يعودون لفروع واحدة، كما حصلت بين المنطقتين رحلات متبادلة وتمازج بين السكان الأزد وعبد القيس وغيرهم. فيذكر الصحاري أن أجزاء من الأزد سكنوا البحرين أولاً ثم انتقلوا إلى عمان وبالعكس، وذكر أبيات من الشعر لعامر بن ثعلبة عن الأزد يقول في أحد أبياتها:


منـا بــأرض عـمـان ســادة رجــح = عند اللقاء وحي دارهم هجر(24)


ككما نقل دعبل الخزاعي قصيدة جُماعة البارقي في انتشار الأزد والتي مطلعها "حلت الأزد بعد مأربها الغور" فقال:


وأنـابـت تـــؤم قـافـيـة الـبــح = رين بالخور بين أيدي الرعاة
فــقـــرت قــرارهـــا بـعــمــانٍ = فعمان محل تلك الكمـاة(25)




وعند حديث ابن كثير عن الكاهن سطيح الذي سكن الشام، والذي كان من المتنبئين بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، روى عن السجستاني أن سطيح كان من أهل البحرين حيث قال: "سمعت المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا:... وكان مسكنه البحرين، وزعمت عبد القيس أنه منهم، وتزعم الأزد أنه منهم، وأكثر المحدثين يقولون هو من الأزد. ولا ندري ممن هو، غير أن ولده يقولون إنه من الأزد". ومن أشهر قصص سطيح هو تنبؤه بسقوط ملك الساسانيين في بلاد فارس مع تحديد عدد الملوك المتبقين وذلك في عهد كسرى أنوشروان، وكذلك تنبؤه عن ملوك اليمن وما يحل بهم حتى عهد سيف بن ذي يزن. كما رُوى عن ابن عباس قوله: "قدم مكة - أي سطيح- فتلقاه جماعة من رؤسائهم، منهم عبد شمس وعبد مناف...فسألوه عما يكون في آخر الزمان فقال: خذوا مني ومن إلهام الله إياي: أنتم الآن يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم فيكسرون الصنم، ويتبعون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم. ثم قال: والباقي الأبد، والبالغ الأمد، ليخرجن من ذا البلد نبي مهتد، يهدي إلى الرشد...إلخ". هذا وقد نقل نسبه عن ابن عساكر كالتالي: هو الربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن الأزد[26] .

ثم مع بدأ الفتوح الإسلامية لبلاد فارس جاء ذكر جيش من عبد القيس والأزد في البحرين وعمان تم توجيهه لفتح كورفار وكرمان عن طريق البحر[27] وقد فصّل الصحاري عن هذه المعركة وعن دور الأزد فيها، فذكر بأنهم قاتلوا منفصلين عن عبد القيس حيث قالوا: "لا نخرج في قتال هؤلاء المشركين ومعنا من غير قومنا أحد" وأن عددهم كان أربعة آلاف، ثلاثة من ... عمان، وألف من ... البحرين[28] . بل أن القائد الإسلامي الذي قاد هذه المعركة وغيرها من المعارك في العراق، وهو هرثمة بن عرفجة الأزدي، ترجم له البعض على أنه من أهل البحرين[29] .

وفي أحداث الخوارج في البحرين وسيطرتهم على القطيف، نجد بأن الأزد كانت لها مكانة كقبيلة رئيسية في المنطقة، ففي العام السابع والستين للهجرة عند قدوم جيش نجدة بن عامر، المنقلب على أبي طالوت زعيم الخوارج السابق، نرى بأن هناك انقسام قد حدث للأهالي في موقفهم تجاه نجدة، وذلك ما بين الأزد الذين ارتأوا مسالمته حيث وجدوه منكراً للظلم والجور الذي يجوّزه الولاة آنذاك فهو أقرب لهم كما قالوا، وما بين عبد القيس ومن معهم من الأهالي الذين عزموا على محاربته رغم محاولة الأزد ثنيهم باستخدام الدافع القبلي حيث قالوا لهم لا تحاربوه فهو أقرب لكم منا، لكن ذلك لم يوقفهم، فهُزموا في القطيف شر هزيمة وسقطت مدينة الخط في أيدي نجدة[30] ، حتى أنه بعد ذلك بعامين هَزم في القطيف الجيش الذي أرسله مصعب بن الزبير من البصرة بقيادة عبد الله الليثي علماً بأن ذلك الجيش كان يتكون من 14000 مقاتل[31] ، وتجدر الإشارة إلى أن الخوارج عاودوا نشاطهم القوي بأيدي أبناء هذه المنطقة خاصة من عبد القيس الذين ساهموا بشكل فعال في حركات الخوارج المتأخرة ضد الأمويين والعباسيين. أما في ثورة الريان النكري من عبد القيس في البحرين عام 80 للهجرة، حين حاصره جيش يزيد بن أبي كبشة في الزارة وقتله وصلبه بها، نلاحظ في تلك الأحداث أن هناك إمرأة ثائرة من الأزد اسمها جيداء كانت تقاتل مع الريان ومعهما جماعة قتلوا جميعاً[32] . وقد نستطيع اعتبار جيداء الأزدية أول امرأة عرفناها في تاريخ هذه المنطقة ثارت وقاتلت ضد الظلم.

وفي أحداث القرامطة عام 283هـ وفتح أبي سعيد الجنّابي للزارة وحرقها بعدما استعصت عليه لفترة، نجد بأن زعيم الزارة حينها كان الحسن ابن العوام من الأزد، وهو من رجّح محمد المسلم بأن تكون قرية العوامية في القطيف منسوبة إليه[33] . ورغم ان الزارة أصبحت في أحد الفترات لعبد القيس ويرأسها أحمد بن مسلم العبدي، إلا أنه لابد من الإشارة إلى ما يبدو لي من أن الزارة كانت معقل مهم لقبيلة الأزد في المنطقة، ورغم أن هناك من اجتهد في تفسير تسمية الزارة على أساس لغوي من زأرة الأسد وما شابه، إلا أنه يمكنني الذهاب بعيداً عن ذلك حيث هناك بعض البطون العربية تحمل هذا الاسم منها بنو زارة من بني ماسخة من الأزد من أبناء عبد الله بن مالك بن نصر، وزارة المنسوبون إليها هي أم عامر بن ماسخة[34] وكان لهم ذكر في السراة وذكر في الكوفة والري[35] .

وهكذا نجد ذكر قبيلة الأزد وبطونها في المنطقة قد استمر حتى نهاية عصر القرامطة حسب ما جاء في شرح بعض أبيات ابن المقرب، حيث يقول مثلاً:


فأقـبـلـت ورجـــال الأزد تقـدمـهـا = كالأسد قد جعلت سمر القنا أجما



فقال الشارح: "أقبلت يعني القرامطة، والأزد يعني من كان بالأحساء من قبائل قحطان لأنهم ينسبون إلى الأزد.

وقال ابن المقرب أيضاً:


فعن هجر ذادوا القرامط عنوة = وقد شركت فيها عتيك وحدّان



فقال الشارح: "هجر هي الأحساء من البحرين...إلى أن قال: وعتيك وحدان قبيلتان من الأزد، والعتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن عامر مزيقياء، وحدان هو حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن عثمان بن نصر بن زهران، وكانوا قد شركوا مع القرامطة في الأمر وحل بعضهم مع القرامطة، وفي الحال قام عليهم عبد الله بن علي العيوني، وعلى من شاركهم من اليمن في الأمر، فأجلاهم من الأحساء" انتهى[36] ، واليمن هنا تعني القحطانيين ولا تعني أنهم هم من اليمن، وهذا التعبير كان شائعاً، أما حدان بن شمس المذكور هنا، فهو أخو نحو بن شمس الذي تحدثنا عنه سابقاً، وهكذا نجد بأنهما جدّين لقبيلتين كان لهما وجود في الأحساء. وقال ابن المقرب أيضاً:


لكنهم أثبتـوا أساسهـا ونفـوا = عنها حُمَي بن عثمان وحدّانا



ففقال الشارح: "حمي بن عثمان وحدان من قبائل الأزد من قحطان، كانوا قد طمعوا في الملك مع القرامطة عند انقضاء دولتهم وضعفها"[37] . ومن المفارقات التي لاحظتها هو أن الحدان هؤلاء في الأحساء، والذين كانوا يشاركون القرامطة في الحكم ويتعاونون معهم، كان لهم أبناء عمومة من نفس القبيلة في عُمان، وكان لهم موقف معاكس من القرامطة، حيث قال السيابي: "وبنو الحدان من أشرف أهل عمان من أعيان يمنها، ومنهم الإمام عبد الله بن محمد الحداني، والإمام الحواري بن مطرف، ومنهم الإمام عمر بن محمد بن مطرف، وهو المنصوب أيام حروب القرامطة لعمان. وبهذا يظهر فضل الحدان بن شمس، ومناصرة الحدان للأئمة تكفل بها التاريخ العماني"[38] ، ويبدو أن المقصود في كلامه هم أئمة الإباضية، علماً بأنه ليس بالضرورة أن يكون أبناء عمومتهم في الأحساء على نفس المذهب، بل ليس بالضرورة عموماً أن يكون للمذهب دور حقيقي في اتخاذ المواقف السياسية.

بني معن أم بني نعم أم الإثنين معاً؟

هناك عدة أماكن في المنطقة لها علاقة بمسمى معن، منها هذه القرية ومنها قرية أبو معن غرب القطيف التي توطن بها بعض البدو مؤخراً بعد أن كانت في الماضي موطن آل سنان أهل الأوجام ثم القطيف وهم من أصول يمنية أيضاً. ومنها خيس آل معن التي كانت تابعة لقرية البطالية والمنسوبة لآل معن الذين منهم عائلتي المعني والبن معن حالياً في الأحساء. هذا وعند وصف المسعودي لجزيرة أوال - في مملكة البحرين حالياً- قال: "وجزيرة أوال فيها بنو معن وبنو مسمار وخلائق كثيرة من العرب بينها وبين مدن ساحل البحرين نحو يوم، بل أقل من ذلك"[39] ، وقد ذكر الملا ما يفيد بأن بني معن هؤلاء هم من الأزد[40] ، هذا ولم اطلع على مصدره في ذلك، لكن هناك بالفعل بطن شهير من الأزد بهذا الاسم هم بنو معن بن مالك بن فهم، فلا يستبعد أن يكونوا هم المعنيين في نص المسعودي. أما العبد القادر فقد ذكر بأن قرية بني معن نسبت إلى بطن من حِميَر سكنوها في القديم[41] ، ويبدو أن الملا تبعه على ذلك عند حديثه عن هذه القرية. وقد احتوى كتاب "تحفة المستفيد" للعبد القادرعلى خلط واضح فيما يتعلق بأنساب بعض الأسر القليلة التي انتقاها، مما يدل على عدم درايته بهذا المجال. لذلك أرى أنه خلط في هذه المسألة أيضاً، لكن خلطه هنا كان في نفس الوجهة ألا وهي اليمن وقبائلها القديمة الشهيرة، وقد قيل قديماً حِميَر ملوك العرب، وقد جاء في وصية مازن ابن الأزد لولده ثعلبة أنه قال:


أوصيـك ثعلبـة بــن مــازن مــا بــه = وصّــانــي الأزد الـهـمــام الأوحـــــد
أوصـانــي الأزد الأعــــز بـطـاعـتـي = لملوك حمير ما استنار الفرقد(42)



كما نقل عن تبع الأوسط أنه قال:


فحميـر سـادات المـلـوك وخيـرهـا = وهم من قديم الدهر سادوا القبائلا
فأسكنت أرض الشام منهـم قبائـلاً = واتبعـت غسـان الملـوك الأفـاضـلا



وقال أيضاً:


فوطأنـا مـا بيـن يثـرب والشـا = م بكلـب والجمـع مـن غـسـان
وسـددنـا ثـغـر الحـجـاز بــأزد = ألصقـوا بالحجـاز كــل هــوان
وورثـنـا عـمـان قـدمــاً بـــازد = غير هذا فتلك ... عمان(43)



وإذا علمنا بأن الأبيات السابقة هي لأحد ملوك حمير متفاخراً بالأزد ومنهم الغساسنة، سنعلم بأن قول العبد القادر بنسبة قرية بني معن لبطن من حميَر، هو اشتباه لم يأت من فراغ.

وأقدم وثيقة اطلعت عليها ورد بها اسم قرية بني معن التي نحن بصددها، كانت بتاريخ 24/4/1210هـ [الوثيقة رقم 1]، وقد ورد اسم القرية أسفل اسم أحد الشهود من أهاليها، وهو أمر كان شائعاً في الكثير من مبايعات الأحسائيين في تلك الحقب خاصة عند تحرير الوثيقة لدى قضاة الدولة في الهفوف أو المبرز وذلك لتشابه وتكرار الكثير من أسماء الأفراد والعوائل في الأحساء فكان يتم التمييز بذكر اسم القرية بعد الإسم أو بذكر الفريق بالنسبة لأهالي المدينة، فجاءت العبارة مكتوبة كالتالي: "والرجل علي بن محمد بن عبد النبي" وأسفل ذلك: "أهل بني معن".

ولكن عند الحديث عن مسمى هذه القرية لابد لنا من التوقف قليلاً عند أمر أراه من الأهمية بمكان، لتكتمل الصورة التاريخية للبحث. فلا شك بأن أغلب الأحسائيين من أبناء جيلي، قد لاحظوا بأن الكثير من كبار السن في الأحساء يطلقون على بني معن مسمىً آخر، ألا وهو "بني نعم" وأنا شخصياً مازال والدي يصر على إطلاق هذا المسمى رغم أنني كنت أحاول التصحيح له كما اعتقدت، لكن دون جدوى لتعوّد لسانه أو لعدم اقتناعه كما يبدو، بل ما زال الغالبية العظمى من أهالي الهفوف والمبرز ممن أعمارهم فوق الستين بل وأقل، يطلقون هذا المسمى. أما نفس القرية ففي الماضي كان مسمى بني نعم هو المستخدم لدى الغالبية كما علمت من بعض من هم في الأربعينات والخمسينات من أعمارهم حيث كانوا في طفولتهم يسمعون هذا المسمى من أغلب كبار السن المحيطين بهم، أما اليوم فهذا المسمى يكاد لا يذكر في نفس القرية، بل أنه مستنكر من قِبل الشباب فيها كما لاحظت. وقد ذكر فيدال بأن الأحسائيين في زمانه -قبل أكثر من 57 عاماً- كان الكثير منهم يسمي القرية بني نعم، أما لوريمر -قبل أكثر من 100 عام- فقد أطلق اسم بني نعم على القرية ولم يذكر اسم بني معن، حتى اعتقد الجاسر بأن الإسم قد حُرف لديه[44] .

ورغم أنني من المهتمين بتاريخ الأحساء وكنت ألاحظ هذا التباين في التسمية إلا أنني لم ألتفت كثيراً للأمر إلا بعد صدور التحقيق الأخير لديوان ابن المقرب كما ذكرت سابقاً، حيث نقل لنا المحققون الجدد معلومة تاريخية هامة عند تعليقهم في الهامش على قبيلة الحدان التي ذكرت سابقاً في شعر ابن المقرب، فقالوا: "ومن بني حدان بن شمس هؤلاء، بنو معن أو نعم بن روشن بن عبد شمس بن حدان بن شمس، والذين من المعتقد أنهم تنسب لهم القرية المعروفة اليوم في الأحساء باسم بني معن أو بني نعم والتي يقع إلى الغرب منها أطلال قرية دارسة الآن كانت تعرف ببني نحو، ويبدو كذلك أنهم بنو نحو بن شمس كما ذكر نسبهم ابن دريد في الاشتقاق والعوتبي في كتاب الأنساب" انتهى[45] . وكانت المعلومة الجديدة التي أهدانا إياها محققوا الديوان هي وجود قبيلة بالفعل باسم "بنو نعم"، وبالرجوع إلى ابن دريد وجدته ذكرهم باسم "أنعم" كما ضبط الحُدّان بضم الحاء وليس بكسرها كما ضبطت في ديوان ابن المقرب[46] أما الصحاري -العوتبي- فذكرهم باسم "نعم"[47] كما تنطق في الأحساء تماماً، هذا وقد يكون أصلها بالفعل "أنعم" إلا أن الهمزة تحذف في اللهجة المحلية كما يقال مثلاً عن الأحساء لَحسا أو عن الأمير لَمير وهكذا.

إذن وبعد معرفة أصالة قبيلة الأزد في المنطقة، وتأكيد انتماء قرية بني نحو المندثرة إلى أحد بطونهم، وبعد معرفة أن هناك فرع من أبناء عمومتهم المقربين كان وما يزال الأحسائيون ينطقون اسمهم على القرية ألا وهم بنو نعم، حيث ينحدرون هم وبنو نحو من الحدان الأزديين، الذين كانت لهم مكانة ووجود في تاريخ الأحساء، نأتي هنا للسؤال المهم الذي يطرح نفسه ألا وهو: بعد كل ذلك ما هو الاسم الأصلي للقرية؟ بني معن أم بني نعم؟. وهنا أقول أن من يتبع المنهج العلمي في البحث، يصعب عليه الحسم في الإجابة على هذا السؤال. فليعلم القارئ الكريم بأن الباحث في تاريخ الأحساء والمنطقة بشكل عام، إنما هو كالناحت في الصخر الصلد، لذلك لن نجد الإجابة اليقينية لهذا السؤال ما لم يظهر المزيد من الوثائق والمصادر القديمة خاصة فيما يخص الحكم العثماني الأول للمنطقة والذي بدأ في القرن العاشر الهجري، أو قبل ذلك كالبرتغال وغيرهم. لكن على كل حال وفي ظل المعطيات المحدودة والمعلومات القليلة المتوفرة أعتقد بأن الإجابة الصحيحة لهذا السؤال لن تخرج عن الإحتمالات التالية:

• الإحتمال الأول:

أن يكون اسم القرية الأصلي هو بني معن كما هو وارد في أحد المعاملات الرسمية [الوثيقة رقم 1] التي تعود لأكثر من مئتي عام، وأن لا يكون للمسمى الآخر أي صحة، بل هو تحريف من البعض ليس إلا. وكما يعتقد بعض أبناء القرية أن ذلك ناتج عن جهل الناس في الماضي مما يؤدي إلى قلب حروف بعض الكلمات، فعلى سبيل المثال كلمة "نضج أو ناضج" تنطق في أغلب اللهجات الأحسائية "نجظ أو ناجظ" وهكذا. وشخصياً أستبعد هذا الاحتمال في ظل ما ذكرناه عن وجود الازد وقبيلة الحدان في الأحساء وأن منهم فرع باسم بنو نعم. ومن واقع تجاربي المتواضعة أجد من الخطأ أن نتجاهل بشكل تام ألفاظ وروايات كبار السن حيث عادةً ما يكون لها أصول تاريخية، بل وأثبتت الدراسات اللغوية بأن الكثير من الاستخدامات الواردة في اللهجات المحلية لمنطقتنا والتي يسخر منها البعض، كان لها أصول لغوية عميقة، بل حتى قلب أحرف بعض الكلمات ربما يكون لها أصول أيضاً لو أخضعت للبحث العلمي. وبالتالي لا يمكننا على الإطلاق تجاهل ذلك الانتشار الكبير في الماضي لمسمى بني نعم.

• الإحتمال الثاني:

أن يكون اسم القرية الأصلي هو بني نعم وليس بني معن، إلا أن الماضين من علماء دين وقضاة ومطاوعة (معلمي القرآن الكريم) أو ممن يجيدون القراءة والكتابة والشعر الفصيح وغيرهم ممن كانوا يمثلون القوى المتعلمة والمثقفة في العصور الماضية، ويمثلون المصدر الوحيد للعلم والمعلومات بالنسبة لعامة الناس، لم يكونوا معتقدين بأي أصل لكلمة بني نعم التي ينطقها الناس عن جهل حسب اعتقادهم. هذا مع الانتشار والوجود في المنطقة لكلمة شبيهة وقريبة ألا وهي معن، والتي هي أكثر شهرة في القبائل العربية بل ولها معنى لغوي متناغم مع طبيعة القرية ألا وهو المياه الجارية، لذلك ذهب هؤلاء إلى أن الصحيح هو معن وليس نعم. وذلك منذ أكثر من مئتي عام حيث أحجم هؤلاء عن كتابة نعم في الوثائق الرسمية لأن ذلك سيدل على جهل المحرر بل والقاضي نفسه الذي ختم الوثيقة. ثم وفي الأجيال القريبة الماضية وخاصة في القرية نفسها كما أخبرني أحد أبناؤها كانت تلك القوى المتعلمة وخاصة معلمي القرآن الكريم -المطاوعة- يمارسون نوع من الضغط في هذا الاتجاه فيصححون للناس بعض ألفاظهم التي كان من ضمنها بني نعم. هذا إضافة إلى تسجيل القرية رسمياً باسم بني معن سواء في العهد الأخير للدولة العثمانية أو في الدولة السعودية الحالية. كل ذلك أدى إلى هذه النتيجة من عدم ذكر مسمى بني نعم اليوم إلا عند كبار السن، بل انه سيختفي تماماً في المستقبل.

• الإحتمال الثالث:

هناك احتمال آخر يمكنني طرحه، وهو أن يكون اللبس الحاصل هو نتيجة أصالة وجود المسميين معاً في نفس الموقع الحالي ألا وهو قرية بني معن وما حولها، لذلك علينا توسيع الدائرة قليلاً خاصة وأن مما رواه لي الحاج عبد الله الشقاق (بوفاضل) وهو آخر عمدة لقرية بني معن، هو أن القرية كانت أكبر من حجمها الحالي بكثير فكانت تمتد شمالاً إلى مسجد جويخ وغرباً إلى بني نحو وجنوباً إلى الحصّارية على طريق الجفر الحالي وشرقاً حتى قرية الشهارين، وأن مساحة مسجد أبو منارة الحالي في القرية لاتساوي سوى ربع المساحة الأصلية له في السابق، وأن في سنة من السنوات هاجر أغلب الأهالي منها متوجهين شمالاً إلى البصرة والمحمرة ونواحيهما. هذا كان كلام الحاج أبو فاضل، وأما ما ذكره عن مساحة المسجد فيؤكده أكثر من شخص في القرية. والحقيقة أنني حاولت تقدير المساحة التي يتحدث عنها فوجدتها تزيد عن 9 كلم مربع وهي أكبر بكثير من أن تكون مساحة لقرية واحدة. لكن إذا علمنا بأن مسجد جويخ الذي ذكره كان يقع في قرية أخرى مندثرة أيضاً، كانت تقع شمال بني معن وقريبة جداً من بني نحو، وكان اسمها الموازن وهو اسم لبطن كبير ورئيسي في قبيلة الأزد نسبة لمازن ابن الأزد ابن الغوث، مع وجود هذا المسمى في قبائل عربية متعددة. وإذا علمنا بأن الشهارين -جمع شهران- هم اسم لبطن رئيسي في خثعم من بني عمرو ابن الغوث، وقد هُجرت هي الأخرى لكنها عُمّرت لاحقاً في القرن الماضي. وإذا أردنا التوفيق بين جميع هذه المعلومات فيمكننا القول بأن هذه البقعة من الأحساء ربما كانت تمثل الكثافة السكانية لقبيلة الأزد بجميع فروعها بالأحساء مع بعض أبناء عمومتهم. وبهذا يكون قد سكن هذه البقعة كل من الموازن وبنو معن وبنو حمي والعتيك والحدان بما فيهم بنو نحو وبنو نعم والشهارين من أبناء عمومة الأزد وغيرهم ممن لم تسعفنا المصادر لمعرفتهم، وأن يكون هذا هو ما سبب هذا التعدد في التسمية لقرية بني معن.

هذا وسوف نلاحظ عند الحديث عن عوائل بني معن بأن أغلبهم تعود إصولهم لأماكن أخرى في الأحساء مما يعني بأن هناك بالفعل نوع من الإحلال قد حصل للفراغ الذي خلفته الهجرة التي تحدث عنها الحاج بوفاضل. كما أن هناك ما لفت نظري عند اطلاعي الميداني على هذه القرية ألا وهو عدد مقابرها الذي بلغ أربعة مقابر! وهذا أمر ملفت بالنسبة لهذه القرية الصغيرة. أما عن هجرات الأحسائيين الجماعية فكانت أغلبها لأسباب سياسية تنتج نكسات أمنية أو اقتصادية تدفعهم إلى الهجرة، والسبب الرئيسي الآخر هو الأوبئة الصحية التي كانت عصيبة جداً على الناس والتي أغلبها يأتي بسبب الطاعون أو الإنفلونزا أو الجدري. وكان آخر تلك الأوبئة شهرةً هو الإنفلونزا الأسبانية في عام 1919م الموافق 1337هـ وهي ما عُرفت ب "سنة الرحمة" والتي حصدت مئات الأرواح في الأحساء، وهي التي رجّح الحاج بو فاضل أن تكون قد حدثت فيها الهجرة، إلا أنني أستبعد ذلك تماماً أولاً لقرب تلك السنة نسبياً، وثانياً وهو الأهم أن سنة الرحمة عانى منها الجنوب العراقي بشكل كبير ويقال بأن دخول المرض للمنطقة كان عن طريق الكويت فانتشرت في الأحساء ونجد والعراق بشكل قاسٍ، ويقال بأن من أراد الهجرة من الأحسائيين في تلك السنة كان يتوجه إلى البحرين والهند، وإن كانت تلك المناطق لم تخلو أيضاً من هذه الحمّى التي كان وباءها عالمياً. لذلك أرجح أن تكون تلك الهجرة من بني معن وقعت في وقت سابق لسنة الرحمة وأن يكون ذلك في أحد الأعوام ما بين نهاية القرن الثاني عشر إلى نهاية الربع الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وهي أحد أهم الفترات التي حدثت بها هجرات جماعية من الأحساء باتجاه العراق.


القرى المندثرة حول بني معن

كان من النادر أن تُهجر قرية داخل الأحساء دون أن يبتلع مكانها أصحاب المزارع المجاورة، فالنخيل كانت تأكل المباني في السابق وهو عكس ما يحدث اليوم حيث أصبحت المباني هي التي تأكل النخيل لعدم جدواها الاقتصادية، فالأحساء التي اشتهرت في الماضي بأجود أنواع التمور والأرز والفواكه والخضروات وغيرها، كانت مزارعها بمثابة آبار النفط في عصرنا الحالي لما تدرّه من مدخول اقتصادي كبير حسب مقاييس العصور السابقة. أما المباني المهجورة أو المهدمة لتلك القرى فكانت أيضاً تختفي مع الوقت وذلك لاستخدام أحجارها من قبل أهالي القرى المجاورة في بناء منازلهم وما شابه، حيث تكون أوفر للمال والجهد، فهي بالمجان تقريباً، كما أنها أقرب ولا تحتاج لعناء كبير في النقل. ومن أشهر الأمثلة على المباني التي تبخرت في الأحساء بهذه الطريقة، هو قصر قريمط بالقرب من قرية البطالية وقد كان مقر حكم دولة القرامطة كما هو معروف لدى اهالي الأحساء، بل وكما أشارت إليه الدراسات الحديثة[48] ، حيث بنيت بحجارته العديد من منازل أهالي البطالية في الماضي، ورغم أن بقاياه كانت ماثلة للعيان حتى وقت قريب جداً إلا أنها أهملت هي الأخرى وذهبت أدراج الرياح بل وبنيت مدرسة في نفس الموقع!. إذن تحولت الكثير من القرى الدارسة في الأحساء إلى مزارع نخيل تحمل عادةً إما نفس اسم القرية المندثرة أو نفس مسميات المزارع التي توسعت على حسابها. لذلك لا بأس بأن أدعو من هذا المنبر جميع الجهات المعنية وكل مهتم بتاريخ الأحساء خاصة الشباب من أبناء القرى بأن يقوموا بمحاولة توثيق وتدوين أسماء ومواقع مزارع النخيل المحيطة بهم، فلا وجود الآباء والأجداد الذين يعرفون هذه النخيل جيداً سيستمر، بل ولا وجود النخيل بحد ذاتها أراه سيستمر طويلاً في ظل الظروف الحالية للأحساء من نقص للمياه وتدني للجدوى الاقتصادية وغيرها، فأسماء النخيل ومواقعها تحمل معها معلومات أخرى متعددة، وهي تمثل سجل تاريخي مهم جداً لكل باحث في تاريخ الأحساء. وعودة للقرى المندثرة حول قرية بني معن وهي الثلاث التي ذكرنا، نأتي هنا لشيء من التفصيل عنها كالتالي:

1/ بني نحو:

وقد كانت تقع عند المدخل الحالي لبني معن، على يمين الطريق الصغير المؤدي إليها من جهة الهفوف، وكانت تبعد حوالي 2 كلم غرب قلب بني معن. وبالتحديد على النقطة التي تمثل الإحداثيات التالية: [45.37'37 49 شرق] و[24.66'23 25 شمال]. وقد كانت بعض آثارها ماثلة للعيان حتى فترة قريبة جداً والتي كان أشهرها مسجدين صغيرين وحصن البلدة المسمى بالقصر، والذي استخدمه فيما بعد أحد أبناء عائلة القصيبي كمخزن لمحاصيل مزارعه المجاورة من تمور وغيرها. وفي أحد المواضيع التي نشرت مؤخراً عن مسجد جويخ تطرق الكاتب في بداية موضوعه لقريتي بني نحو والموازن، وقال عن تسمية بني نحو: "فالأولى سميت باسم جد الأسرة (السيد علي النحوي)"[49] . وهو يقصد جد سادة النحوي بالأحساء، وكما ذكرنا سابقاً فهذا طبعاً ليس بصحيح، بل العكس هو الصحيح أي أن هؤلاء السادة الهاشميون هم المنسوبون لهذه القرية التي كانوا يتزعمونها قبل خرابها، والسيد علي هذا، كان جده الرابع هو من سكن بني نحو منتقلاً إليها من فريق الشعَبة بالمبرز، وسنتطرق لهذه العائلة عند الحديث عن العوائل لاحقاً.

وما يهمنا ذكره هنا هو ما نقله الكاتب عن أحد مخطوطات الشيخ محمد باقر ابن الشيخ موسى ابن الشيخ عبد الله بوخمسين حيث قال عن هذه القرية: "بني نحو: لم تزل عامرة إلى أيام الأتراك، فحدث أن أميرها واسمه حسين بن خليفة قتل ضابطاً تركياً فطلبته الحكومة ولم تظفر به، فخاف أهل البلاد على أنفسهم فجلوا عنها فتفرقوا في القرى المجاورة لها، ثم وجهت الحكومة إليها قسماً من الجيش فخربها حتى جعلها قاعاً صفصفاً انتقاماً من فعلة الأمير، ولم يبق من آثارها إلا بعض المساجد هي الآن ماثلة في وسط أرض تحيط بها البساتين ويصلي فيها الفلاحون" انتهى. والحقيقة أن هذا الكلام يتناغم كثيراً مع بعض الروايات التي سمعتها عن هذه القرية، خاصة من سادة النحوي أنفسهم في بني معن والمبرز والجفر، وقد تحدث لي الحاج السيد ناصر النحوي أهل بني معن عن تلك الحادثة وأسماها سنة الحريبة (باللهجة المحلية، وهي مشتقة من الحرب) وقال أن حرباً قد وقعت بين أفراد الجيش العثماني وبين رجال القرية الذين تحصنوا في القصر -المذكور آنفاً- فلما نفذت ذخيرتهم دخل عليهم العسكر، فقُتل منهم من قتل وهرب منهم من هرب.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ما أراه من مبالغة في كلام الشيخ مثل عبارة "فخربها حتى جعلها قاعاً صفصفاً"، أو مبالغات كاتب الموضوع نفسه في حديثه عن العثمانيين مثل قوله "الويل كل الويل في ممارسة السلطنة التركية في الأحساء والقطيف. في الأحساء كانت الممارسات تتعدى الحدود المتحملة وتصل إلى حد القتل الجماعي لأهل قرية معينة، وبعد ذلك إزالة القرية من الوجود". والحقيقة أن العثمانيين كانوا يحكمون بنظام أشبه ما يكون بالإقطاع ولم يكن تعاملهم مع الأهالي مباشرةً بل مع أمراء وزعماء الأحياء والقرى الذين كانوا هم الحكام الفعليين، فكل زعيم قرية كان هو الآمر الناهي الذي يسير الأمور ويحاكم الناس ويحاسبهم بل والبعض منهم كان لديه سجن خاص في قريته، فكل المطلوب هو تقديم الولاء وتسليم الأموال المحددة عن قريته. ويبدو لي بأن المشكلة التي حصلت في بني نحو تعقدت بسبب أن الخصم لم يكن شخص عادي من القرية يمكن تسليمه أو حتى التستر عليه بل كان هو أمير القرية بنفسه. وقد كانت الدولة تجري محاكمات رسمية في مثل هذه الحالات وإن كانت صورية أحياناً خاصة عندما تنظر الدولة للأمر على أنه إهانة لكرامتها بقتل أحد ضباطها. والحقيقة أن ذلك قد حدث عدة مرات من أهالي الأحساء خاصة في المبرز التي في أحد المرات قامت السلطة بحبس حوالي 30 رجل من رؤوس المبرز مما أدى إلى إضراب عام من قبل الأهالي[50] . ويبدو بأن أمير بني نحو المذكور كان قد عزم على المقاومة مع مجموعة من أبناء القرية، والذي بالرغم من هذا القتال الذي حصل إلا أنهم لم يظفروا به كما يبدو.

وعلى كل حال لا يمكننا الجزم بتفاصيل هذه الرواية وملابساتها ما لم يتم العثور في الوثائق العثمانية على ما يشير إلى هذه الحادثة، لكنني وكما ذكرت سابقاً أرى بأن مسألة تخريب القرية وهدمها هو أمر مبالغ فيه وذلك لعدة أسباب أولها أننا نعاصر الكثير ممن شاهدوا أطلال تلك القرية بل أن بعض مساجدها وحصنها كانوا إلى قبل عدة سنوات ماثلين للعيان وهناك بعض الصور الفوتوغرافيه لتلك الأطلال. والثانية أن الإمكانيات المتاحة لم تكن تسمح بمثل هذا العمل حيث لم يكن هناك في المنطقة من معدات ثقيلة وآلات عسكرية سوى بعض المدافع الموزعة في العديد من المواقع المتفرقة، وبالتالي جعل القرية قاعاً صفصفاً يحتاج لكثير من التأمل، والثالثة هي أن الشيخ محمد باقر بوخمسين توفي بتاريخ 7/3/1413هـ وهو في الثمانين تقريباً، وبالتأكيد لم يعاصر الحادثة بل كان ينقل من آخرين. وإن كنت لا أشكك في حدوث هذه الرواية بغض النظر عن تفاصيلها إلا أنني أشكك في أن هذه الحادثة كانت بالفعل هي السبب المباشر لهجرة أهالي القرية منها، لأن فيدال نقل عن لوريمر ذكره لهذه القرية بأن بها عشرون منزلاً من الشيعة وهي في طريقها إلى الخراب[51] . وإذا كنا لا نعلم ما هو التاريخ الدقيق لتلك الحادثة إلا أننا نعلم بأن معلومات لوريمر عن الأحساء جُمعت في عام 1905م. وقد ذكر لي الحاج محمد بن حسين الرمضان (بوسمير) بأنه اطلع على وثيقة مبايعة لمنزل في قرية بني نحو تعود لأكثر من 250 عاماً، كان المشتري بها هو جده الثامن، وأن سعر المنزل المذكور حسب معايير ذلك الوقت يعتبر مرتفع، مما يدل على أن القرية كانت عامرة ومستقرة، وبالتالي أعتقد بأن ما ذكره لوريمر عن تلك القرية كان وهي في طريقها إلى الخراب كما قال بنفسه، وأن تلك الحادثة لم تكن هي السبب المباشر في خرابها، بل قد تكون تلك الحادثة ساهمت بالهجرة منها بالتدريج حتى ضعفت وخربت. وعموماً لم نعرف اليوم من أهالي القرية السابقين سوى عائلة سادة النحوي المذكورين سابقاً، وعوائل أخرى بمسمى النحوي (من غير السادة) نسبة للقرية أيضاً، في بني معن والهفوف والقرين والبطالية. وعائلة الحليمي في قرية الشعْبة، وعائلة بإسم الصالح ذهبت للهفوف، لم أحددها لتعدد العوائل التي تحمل هذا الاسم في الهفوف.

2/ الموازن:

وقد كانت تقع شمال بني معن وهي أقرب لبني نحو منها. وبالتحديد على النقطة التي تمثل الإحداثيات التالية: [52.38'37 49 شرق] و[39.69'23 25 شمال]. ولم يبق منها اليوم سوى مسجد جويخ الواقع وسط النخيل التابعة لبني معن وهو مسجد معروف عند الشيعة في الأحساء وله شيء من الخصوصية لدى بعضهم. ومن المعروف أن عائلة المازني أهل الهفوف ثم المبرز إنما هم منسوبون إلى هذه القرية التي كان أجدادهم يعيشون فيها. وبعض كبار السن يعرفون موقعها حتى اليوم وبعضهم يسميها أم مازن وكذلك كُتبت في بعض الوثائق الحديثة نسبياً. إلا أنني أرى أن الموازن هو اللفظ الأصح وهو جمع مازن، ويبدو أن هناك من كان يحمل هذا الاسم -الموازن- حتى عهد قريب حيث ورد اسم المشتري في أحد مبايعات المنازل بقرية بني معن المحررة بتاريخ 5/10/1304هـ كالتالي: اشترى الرجل محمد آل جعفر الموازن [الوثيقة رقم 2]. هذا ويحتمل أن يكون المقصود هو القرية نفسها لانتمائه إليها وهذا أمر كان متداول، لكنني أرى أن المقصود هو عائلة الرجل وليس القرية لأن الاسم في هذه الحالة سيصبح ثنائي فقط ولا أظن بأن آل جعفر هؤلاء لم يكن فيهم سوى رجل واحد اسمه محمد.

أما عن أصل القرية فنحتمل كما ذكرنا أن تكون منسوبة لمجموعة من قبيلة الموازن من الأزد كانوا قد أسسوها في القدم، وذلك للمؤشرات السابق ذكرها عن تواجد الأزد في هذه البقعة. هذا مع عدم التجاهل لوجود عدة قبائل عربية شهيرة كانت تحمل هذا الاسم أيضاً، لذلك كان هناك قرية أخرى تقع بالقرب من عين منصور شمال الأحساء اسمها بني مازن، وكان يطلق عليها الموازن أيضاً. وقد لاحظت في أحد الوثائق المحررة بتاريخ 16/11/1298هـ وردت هذه القرية محل البحث باسم الموازن الجنوبية [الوثيقة رقم 3]، وقد يكون ذلك لتمييزها عن بني مازن أو الموازن الشمالية[52] . ومن المفارقات الملفتة هو أن هناك عين أخرى بالقرب منها كان اسمها عين منصور أيضاً لكنها أقل شهرة من سابقتها وكانت بالقرب من قرية بني نحو[53] .

وعن تاريخ خراب هذه القرية أرى بأن هناك تضارب واضح بين النصوص أو الروايات المتوفرة. فنجد مثلاً في نفس الموضوع المذكور آنفاً عن مسجد جويخ نُقل عن الشيخ محمد باقر بوخمسين قوله: "ولم تزل عامرة إلى أيام الأتراك ثم هجرت وذلك أن بعض أهل قرية بني نحو رحل إليها لما أزمعت الحكومة على تخريب القرية ثم تطلبوا كل من هو من أهلها أينما وجد فخاف أهل هذه القرية على أنفسهم فهجروها"[54] ، وإذا علمنا بأن حكم الدولة العثمانية انتهى في الأحساء بتاريخ 5/5/1331هـ وهو يوم دخول الملك عبد العزيز آل سعود إليها، فإن كلام الشيخ يعني بأن خرابها كان قبل هذا التاريخ. لكن من ناحية أخرى فإن الجاسر نقل نصاً مهماً عن هذه القرية نسطره هنا حرفياً حيث قال عن الموازن: "قال عنها مقبل الذكير: قرية صغيرة شرق الهفوف، سكانها نحو 150 نسمة، وحاصلاتها من التمر 1620 منا، ومن الأرز 220 موسمية، ومن الحنطة 220 قياسة، وفيها بيت مال ضمانه أربعة أمنان فقط وعدد أملاك أهلها 69 بستاناً و42 من مزارع الأرز، و25 من مزارع الحنطة. كذا ذكر، ولا أعرف عن هذه القرية سوى هذا، وقد تكون درست مع قرب العهد بها، فوصف مقبل لها كان في عشر الستين من القرن الماضي حين كان مديراً لبيت المال في الأحساء (المالية) مع انني لا أستبعد أن يكون صواب الاسم (المزاوي) وقد تقدم ذكره" انتهى كلام الجاسر[55] . فأما احتماله بأن يكون المقصود هو قرية المزاوي -الميزاوي- فهذا لا قيمة له لعدم معرفته بوجود قرية بالفعل اسمها الموازن، ولأن المعلومات والأرقام التي نقلها الجاسر نفسه عن نفس الشخص -الذكير- في قرية المزاوي مختلفة تماماً عن هذه المعلومات. ومقبل الذكير الذي تولى مالية الأحساء إنما شغل هذا المنصب بين عامي 1343 و1349هـ وهذا يعني أنه رصد هذه المعلومات أثناء توليه لهذا المنصب مما ينسف الكلام السابق للشيخ أبو خمسين، لو أخذنا به.

وهناك رواية أخرى عن خراب هذه القرية وهو ما قاله لي الحاج محمد بن حسين الرمضان (أبو سمير)، وهو ينقل كلام رجل اسمه أحمد آل جاسم من أهل الهفوف توفي عام 1358هـ عن عمر تعدى المائة، أنه شاهد تلك القرية عامرة، إلا أن أميرها في ذلك الوقت كان يتعاون مع بعض اللصوص لسرقة منازل أهل القرية بحيث يتقاسم معهم الغنائم، فهجر الناس القرية إلى القرى والأماكن المجاورة الأكثر أمناً، حتى خربت وأكلتها النخيل، وأن مسجد جويخ كان أكبر من حجمه الحالي. كما أكد لي الحاج أبو سمير بأن قرية الموازن لم تكن موجودة عام 1363هـ وهو العام الذي زار فيه ذلك الموقع لأول مرة وهو في صباه. ليس هذا فقط، بل أن الجاسر مكث في الأحساء كمدرّس من شوال 1358هـ إلى صفر 1359هـ، وهو المهتم بالتاريخ الجغرافي، لم يرَ الموازن أو يسمع عنها كما لاحظنا، فمؤكد أنها لم تكن موجودة في ذلك التاريخ أيضاً. وأضيف رواية أخيرة عن خراب هذه القرية، وهو ما قاله لي الأخ عبد الله الرستم أحد الشباب المهتمين بتاريخ الأحساء وكان قد بحث في تاريخ قرية بني نحو واستمع إلى بعض روايات كبار السن من رجالات الأحساء حيث ذكر لي رواية أحدهم التي تقول بأن خراب قرية الموازن كان بسبب هجوم مسلح قام به مجموعة سُنّيّة من أهالي السياسب بالمبرز وذلك داخل مسجد القرية الرئيسي يوم العيد، وأن هذا الهجوم كان لأسباب طائفية.

وكما ذكرت آنفاً فهناك تضارب بين الأقوال السابقة، وإذا استثنينا قول الذكير وأردنا الحديث فقط عن سبب خراب القرية فإنني أعود هنا وأستبعد أن تكون حادثة بني نحو ولجوء بعض السكان هو السبب الرئيسي لهجران القرية وخرابها وإن كنت لا أشكك في الحادثة كما أسلفت. أما رواية هجوم مجموعة السياسب فإن كانت حقيقية فهي بالتأكيد لم تكن لأسباب طائفية بحتة، لأن الشيعة في المبرز أكثر بكثير ممن كانوا في الموازن وكذلك مساجدهم وحسينياتهم إضافةً إلى القرى الشيعية على الطريق بين المبرز والموازن، وبالتالي لماذا يتعبون أنفسهم للوصول لهذه القرية بالذات ومهاجمتها ما لم يكن هناك أسباب أخرى؟ هذا إن صحّت الرواية. أما عن تاريخ خراب القرية واندثارها وأمام هذه الأقوال المتضاربة والتي لا يمكن التوفيق بينها، وإذا أردنا الأخذ بمنهجية علم التاريخ فالقاعدة العامة تقول بترجيح قول المعاصر على قول الناقل وقول من شاهد على قول من لم يشاهد، أي أننا في هذه الحالة سنأخذ بقول مقبل الذكير. لكنني في الحقيقة أتوقف هنا قليلاً لأتساءل هل الشيخ أبو خمسين المتوفي عام 1413هـ وهو فوق الثمانين باتفاق جميع من يعرفونه وعلى رأسهم ولده الشيخ حسن الذي أكد لي ذلك، أي أن عمره كان 16 سنة في عام 1349هـ ولنفرض جدلاً بأنه ولد في نفس العام، فألم يعلم أو يسمع بأن القرية كانت عامرة في تلك الفترة؟ خاصة وأن أسرته هي القيّمة على مسجد جويخ، وجده الشيخ عبد الله هو من أوقفه، ووالده آية الله الشيخ موسى هو من جدد بنائه، أي أنه من أسرة ذات خبرة بهذا المكان.

والحقيقة رغم ما قاله مقبل الذكير، فأنني لا أملك ترجيح فترة تاريخية معينة لخراب هذه القرية سواء في العهد العثماني أو السعودي وسواءً قبل 1349هـ أو بعدها، إلا أنني لا أخفي ميلي الشديد إلى أن هناك خلل ما في نص مقبل الذكير أو في فهم الجاسر لفترة توصيفه لهذه القرية وأن بها 150 نسمة يملكون عدداً من البساتين والمزارع، وإلا فإن ذكر المحاصيل والمزروعات التابعة للقرية لا يعني بالضرورة أن القرية كانت موجودة بالفعل، لأنه عادةً ما يكون لكل قرية ما يعرف في الأحساء ب "طرف القرية" وهو البساتين المحيطة والتابعة لها. ورغم أن 150 نسمة لا تعني الكثير وعدد المنازل يمكن تقديره بثلاثين منزلاً فقط، إلا أن هذا بجميع الأحوال يعني أنها كانت موجودة. والحقيقة أنني عنيت بهذا الأمر بشكل خاص لعلي أصل لشيء فحاولت الاطلاع على المصدر الأصلي الذي نقل منه الجاسر فلم أجده ذكره مع المصادر التي ذكرها في مقدمة معجمه الجغرافي الذي كتب فيه هذا النص، كذلك من نقلوا عن الذكير لقرى أخرى في المنطقة لم يذكروا مصادرهم ويبدو أنهم كانوا ينقلون من الجاسر مباشرةً، فرجعت لترجمة مقبل الذكير في "علماء نجد" وهو أفضل مصدر يمكن الرجوع إليه في هذا المجال، فعلمت بالتحديد ما هي الفترة التي عينه فيها الملك عبد العزيز على مالية الأحساء وهي ما ذكرناه آنفاً، كما وجدت بأن وفاته كانت في البحرين بتاريخ 23/5/1363هـ وهو خلاف ما ذكره عنه الزركلي بأن وفاته كانت عام 1360هـ، ووجدت بأن المؤلف -آل بسام- يقول: "وللمترجم ابن عم لأبيه اسمه مقبل بن عبد الرحمن الذكير له شهرة بتجارته الواسعة وإحسانه وكرمه يسمى (فخر التجار)... ويشتبه على بعض الناس هذا بصاحب الترجمة فيخلطون هذا بهذا، وهما إثنان في عصر واحد، وفي بلد واحد أيضاً، فنشأتهما في مدينة عنيزة، وتجارتهما في البحرين، فصاحب الترجمة (مقبل بن عبدالعزيز)، والتاجر الشهير (مقبل بن عبدالرحمن) ومقبل بن عبدالرحمن أسنّ من مقبل بن عبدالعزيز وهو خاله" انتهى، ثم ذكر بأن مقبل بن عبدالرحمن طبع كثيراً من الكتب وعدد بعضها، وأن وفاته كانت في عام 1341هـ، أما صاحب الترجمة فذكر بأنه ألف كتاب في التاريخ لم يسمه، لكنه بالتأكيد يقصد "مطالع السعود"، ومؤلف آخر سماه "معجم البلدان" وأن أغلبه منقول من كتاب الحموي إلا أنه أضاف عليه من عنده[56] . والحقيقة أن تاريخه "مطالع السعود في تاريخ نجد وآل سعود" لا يوجد منه سوى نسخ مخطوطة كنت قد اطلعت على أجزاء منها وهو لا يحمل جديد بل ينقل عن من سبقه مثل ابن بشر وبن غنام وغيرهما، إلا أنه يضيف بعض الانتقادات والتعليقات الجيدة، أما المؤلف الآخر فيبدو أن ليس له وجود. وعلى كل حال رجعت لبعض العارفين والمطلعين من أهل نجد، فأخبرونا بأن هناك نسخة مخطوطة لمعجم البلدان المذكور وله مسميات أخرى هي "المعجم الجغرافي" و"طوق الحمامة في أخبار اليمامة" وأن هذه النسخة موجودة عند رجل من أهل عنيزة. وأما عن مقبل عبدالرحمن الذكير واحتمالية أن يكون هو صاحب ذلك النص الذي نقله الجاسر بخلط منه بين الإثنين، فقيل لنا بأن له هو الآخر مؤلفات مفقودة، وبأنه هو بالفعل فخر التجار الذي كان له مخاطبات مع الحكومة العثمانية أثناء وجوده في الكويت والبحرين وأنه كان يكتب لهم تقارير عن أوضاع الخليج. والحقيقة أنني أضع جميع المعلومات السابقة بين أيدي القراء والباحثين لمن أراد زيادة البحث في هذه المسألة، أما أنا فلا أستطيع حسب المعطيات المتوفرة أن أجزم بشيء أو أرجح أي من الأقوال السابقة ما لم يتم الاطلاع على نفس النص لمقبل عبدالعزيز الذكير، يوضح فيه بأن المعلومات التي ذكرها جمعها أثناء توليه لمالية الأحساء. وإلا فإن جميع الاحتمالات أراها ما زالت مفتوحة.

3/ الشهارين:

وقد كانت القرية القديمة تقع في نفس موقع قرية الشهارين الحالية التي اتخذت نفس المسمى. وهي بالتحديد على النقطة التي تمثل الإحداثيات التالية: [شرق 19.53'39 49] و[شمال 31.96'23 25]. وقد ذكرنا سابقاً بأننا نحتمل انتساب هذه القرية لمجموعة سكنتها في الماضي من قبيلة شهران أحد بطون بني خثعم من عمرو ابن الغوث. ولم يبق اليوم من آثار السكان القدامى للقرية سوى مقابرهم. وكنت قد سمعت بموقع في الهفوف كان يسمى بقصر الشهارين، قرأه بعض الأشخاص في أكثر من وثيقة لبيع منازل كانت تحدد أحد جهاتها بهذا القصر، وأعتقد بأن هذا المسمى له علاقة بالأهالي القدامى لهذه القرية، والملا وهو من أهالي الهفوف كان قد قال عن قرية الشهارين: "قطن بعض جماعاتها حي الرفعة الشمالية من الهفوف ولا يزال هناك موضع يعرف باسمهم"[57] ولعله يقصد هذا القصر.

أما تأسيس القرية الحالية فقد كان على يد مجموعة أغلبهم من أبناء قرية الجبيل المجاورة وذلك لأسباب أمنية، فقد كانت الأحساء في تلك الفترة تعيش واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية انفلاتا للأمن والطمأنينة، حيث وصلت الدولة العثمانية لأدنى مستوياتها من الضعف والفساد خاصة في أطرافها كالأحساء والقطيف، فحيكت الخطط من القوى العظمى المحيطة بها وعلى رأسهم بريطانيا لإضعافها أكثر وإنهاء أمرها تماماً في المنطقة. وقد كان من افرازات تلك المرحلة هو الهجمات المتكررة لنهب مزارع الأحساء وذلك من البدو المحيطين بها خاصة قبيلة العجمان. فكان التعاطي مع هذه المشكلة متنوعاً في الداخل الأحسائي، فهناك من زعماء القرى من كان يدفع للعجمان مقدار ثابت من المال والتمر مقابل عدم التعرض للنخيل التابعة للقرية، وهناك من اتخذ اسلوب المواجهة كما فعل أهالي المبرز في حرب الحزم التي أدت إلى مواجهة من جميع أهالي الأحساء في حرب المطيرفي (الوزية).

وفي ظل تلك الظروف كان يتزعم قرية الجبيل السيد إبراهيم ابن السيد محمد الهاشم أحد أهم رجالات الأحساء في ذلك الوقت، فكان يضع مجموعة من الرجال يتناوبون في الليل للمكوث وسط النخيل ناحية الشهارين، وما أن يستشعر أحدهم بوجود المهاجمين حتى يقوم بالانتخاء بصوت مرتفع فيصيح بنخوة أهل الجبيل -أولاد وايل يا رفاق- فتنتقل هذه الصيحة من رجل لآخر حتى ينهض الرجال من داخل القرية في أسرع وقت ممكن للمواجهة. ثم تطورت هذه الفكرة للإقامة في هذا المكان وإبقاء مجموعة من السكان الذين يثق بهم السيد إبراهيم لحماية النخيل هناك وأيضاً كخط دفاعي أول لنخيل الجبيل وما حولها، فتم التنسيق مع أهم المتضررين الآخرين وهم أصحاب المزارع المجاورة، وأقيمت القرية وسُورت بسور لتحصينها. ويبدو أن هذا الأمر تم بطلب رسمي من الحكومة العثمانية لتدعم مالياً هذا المشروع. فعند حديث القريني عن المجالس البلدية للهفوف والقطيف في تلك الحقبة واقتصارها على طبقة الوجهاء والأعيان ومدى فساد تلك المجالس، قال: "كانوا يسعون لما يحقق منافعهم الخاصة، حيث نجد بعضاً من أعضاء المجلس، لديهم أملاك في قرية الشهارين يطلبون من والي البصرة تقديم دعم ومساعدة لإعمار تلك القرية" ثم أشار في الهامش إلى رقم وثيقة عثمانية ذكر بأنها معروض من بعض أهالي الأحساء يطلبون فيه الإذن والمساعدة على بناء قرية الشهارين[58] . والحقيقة أنه لم يذكر تاريخ تلك الوثيقة ولم أجد صورة لها مع صور الوثائق العربية الملحقة ببحثه، كما لم يذكر أسماء أعضاء المجلس البلدي المعنيين بكلامه وعلاقتهم بمقدّمي المعروض. وللمعلومية فقد كان من شروط الترشيح لعضوية المجلس البلدي هو أن يكون المرشح من ملاك الأراضي[59] . هذا وقد لا نختلف بشكل عام مع تحليل القريني عن فساد المجالس البلدية في ذلك الوقت، إنما الاختلاف هو في ضرب هذا المثال وتجريده من الأحداث التي كانت دائرة في المنطقة، وقد يكون ذلك بسبب عدم وضوح الصورة الكاملة لديه عن ظروف تأسيس هذه القرية من جديد.

أما الجاسر فقال عنها: "القرية قديمة ولكنها أوشكت على الخراب، فأحياها رجلان من أثرياء أهل الأحساء هما محمد بن عبد العزيز العجاجي وابن طوق، في عشر الخمسين من هذا القرن وكانت مسكونة قبلهما إلا أن أهلها ضعفوا فتملك بها الرجلان المذكوران نخيلاً فعمرت القرية" ثم نقل عن لوريمر قوله عن هذه القرية: "تقع على مسافة ميل واحد جنوب غرب الجبيل وهي ضاحية فيها عشرون منزلاً، سكانها من الشيعة وماؤها جيد ولكنها قليلة السكان"[60] . وهنا نلاحظ الخلط الذي حصل عند الجاسر في تاريخ وسبب بناء القرية، ويبدو أنه اعتقد بأن المنازل التي ذكرها لوريمر قبل حوالي سبعين عاماً من كتابته لتلك الأسطر وأكثر من مئة عام لكتابتنا هذه الأسطر، هي منازل السكان القدامى وأنها خربت فيما بعد ثم عمرت في أربعينات القرن الهجري الماضي، وهذا طبعاً غير صحيح بل ما ذكره لوريمر هو نواة القرية الجديدة التي أصبح عدد منازلها في عهد فيدال حوالي 82 منزلاً والذي قال عنها: "يظهر أن الشهارين ليست قرية قديمة فلوريمر يذكر كونها قرية صغيرة من عشرين منزلاً فقط، من الممكن أنها لأناس انتقلوا إلى هناك قبل فترة ليست بطويلة" وهذا هو الصحيح، ثم قال فيدال: "يحتمل أن تكون الشهارين قد بلغت أوج ازدهارها في العشرينات والثلاثينات الميلادية، والآن هي آخذة بالانحدار"[61] . هذا ولا ننسى بأن التاريخ الذي ذكره الجاسر يقع بعد سيطرة الملك عبد العزيز على الأحساء ودخولها في الدولة السعودية، بينما مر علينا أن القريني تحدث عن وثيقة عثمانية يطالب فيها بعض الأهالي المعونة من الدولة لبناء قرية الشهارين وهذا تأكيد آخر على خطأ الجاسر في تاريخ تجديد هذه القرية.

وحيث لا يوجد لدي تاريخ دقيق لنشأة الشهارين الحالية إلا أنه يمكن تحديد ذلك في الفترة الواقعة مابين عام 1324هـ وعام 1327هـ. وأما بن طوق الذي ذكره الجاسر فيبدو لي بأنه ابراهيم بن طوق وهناك فعلاً مزارع في الشهارين تسمى "نخل آل طوق"، أما محمد بن عبد العزيز العجاجي الذي كان الأهالي يسمونه "وزير بن جلوي" لقوة العلاقة بينه وبين الأمير عبدالله بن جلوي أول أمير للمنطقة الشرقية في الدولة السعودية الحالية، فوفاته كانت عام 1388هـ وهو طاعن في السن، وكان بالفعل يمتلك مزارع شاسعة في تلك النواحي وكان له منزلٌ يدير منه أعماله التجارية الضخمة في ذلك الزمن. وأرى أن من نقل خبر قرية الشهارين للجاسر نقله ناقصاً، فحتى العبد القادر عندما ذكر العجاجي في حديثه عن الشهارين لم يقل سوى هذه العبارة: "ولمحمد بن عبد العزيز العجاجي فيها بيت جميل"[62] . فدور هذين الرجلين قد يكون في التبرع بأجزاء من البساتين التي يملكونها في تلك الناحية لإنشاء القرية، لِما في ذلك من مصلحة وحماية لباقي ممتلكاتهم، إلا أن الدور الرئيسي كان بلا شك للسيد إبراهيم الذي أقنع الناس بالانتقال مع عوائلهم وترك منازلهم وأقاربهم للسكن في هذا المكان الجديد والأكثر خطورة.

وممن عرفنا من المؤسسين الذين سكنوا قرية الشهارين الحالية هم: أسرة حسن بن علي الدالوي وكان من المقربين جداً من السيد ابراهيم فرشحه ليكون عمدة للقرية الجديدة وقد تم ذلك، وأسرة علي العريفي جد عائلة العريفي الآن في الشهارين ، وأسرة علي بن ابراهيم الحيدان، المنسوب إليه حسين الحيدان جد عائلة الحيدان اليوم في الشهارين. والواقع أن علي خال حسين الذي توفي والده علي بن حسين البوحمود من فداغم الهفوف، فربّاه منذ ولادته لذلك سجل نفسه رسمياً باسمه تخليداً لذكراه خاصة وأنه لم يعقب ذكور. والانتساب إلى الأخوال وحمل اسم العوائل بالمصاهرة هو أمر منتشر منذ القدم، وقد تكرر كثيراً في الأحساء خاصة مع بدايات الدولة السعودية وتسجيل حفائظ النفوس. هذا مع ملاحظة أن بقايا عائلة الحيدان الجبيلية هم اليوم من أهالي الدمام والخبر، ولم يبق منهم أحد في الأحساء. وممن أسسوا الشهارين الحالية أيضاً عائلة الحَسَاني وعائلة الشريّط. وكل من ذكرناهم كانوا من الجبيل إلا أنه وفي نفس تلك الفترة كان خلافٌ قد حصل بين أمير قرية الطرف وجماعة من أسرة الصقر هناك، فانتقلوا إلى الشهارين وكذلك جاء معهم من عائلة الحسين في الطرف ومن عائلة البديوي في المنيزلة. وهناك أسر سكنت معهم في تلك الفترة لكنهم عادوا فيما بعد ولم يبق منهم أحد حالياً في الشهارين وهم أسرة السيد محمد الموسى من الجبيل وكذلك من عائلة الصحيّح بالجبيل ومن عائلة الحيد بالتيمية ومن سادة المكي بالسياسب بالمبرز. وهذه الأسر تقريباً تعتبر هي النواة التي أسست قرية الشهارين الحالية.

[+]هوامش


[1] إن الكثير من المعلومات الواردة في هذا البحث دون إرجاعها إلى مصدر مكتوب، فإنها قد جمعت ميدانياً عبر سنوات عديدة، فمنها ما هو معلوم لدي كأحد أبناء الأسر الأحسائية، ومنها ما تم جمعها من أفواه الرجال الثقات. لذلك أخص هنا بالذكر والشكر من استقينا منهم معلومات واردة في هذا البحث على وجه الخصوص، ممن التقيناهم في الماضي أو أثناء إعدادنا لهذا البحث وهم الأفاضل: الحاج عبد الله (بوفاضل) بن عبد المحسن الشقاق وهو آخر عمدة من قرية بني معن. السيد هاشم بن ابراهيم بن عبدالله البراهيم أهل الجبيل. السيد ناصر بن علي النحوي أهل بني معن. الحاج أحمد بن علي بن حسن الدالوي آخر عمدة لقرية الشهارين. الحاج حسين بن عبد الله بن عبد المحسن العطية أهل بني معن. الحاج علي بن حسين الحيدان أهل الشهارين. الحاج محمد (بوسمير) بن حسين الرمضان أهل الهفوف. السيد منصور بن علي الموسوي أهل المبرز. السيد عبد الله بن ناصر الهاشم أهل بني معن. السيد علي بن حسين النحوي أهل الجفر. الحاج عبدالحميد بن محمد بن صالح العضب أهل الفضول.

كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى الأخوة: الشيخ عبد العليم العطية، المهندس عبد الله الشايب، الأستاذ أحمد البدر، الدكتور عبد الله النحوي، عبد الكريم الحميدي، حسين الحساوي، صالح ابراهيم الحبيب، ابراهيم غالي العضب، السيد صالح محمد الموسوي، حسين عبد العزيز النزر.

[2] وكنت قد اطلعت على مقال مؤثر لأحد أبناء هذه القرية يطالب فيه هيئة الري والصرف بردم هذه العيون بعد أن أصبحت مكاناً لرمي المخلفات التي تجلب الأمراض والأوبئة. نشر في العدد رقم 11770 من جريدة اليوم الصادرة بتاريخ 5/9/2005م وقد كان عنوان المقال هو "عيون بني معن من الماء إلى المخلفات".

[3] F.S. VIDAL، The oasis of Al-Hasa / p. 67 &120 &126 &131

[4] العبد القادر، محمد بن عبدالله. تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد / ص47.



[17] هناك اختلاف كبير بين المؤرخين في التقسيمات التاريخية للعرب ما بين البائدة وما تلاها وإن كانت العاربة تدخل في البائدة وغير ذلك من التباين الظاهر. وعلى كل حال يمكننا الأخذ بقول أن العرب تنقسم إلى ثلاثة أقسام كالتالي: أ- العرب البائدة وهم الذين بادوا أو بادت كياناتهم القبلية ودخلوا في القبائل اللاحقة لعهدهم، ومن هؤلاء العماليق والفينيقيين والكنعانيين والآشوريين والنبط وطسم وجديس وغيرهم. ب- العرب العاربة ويقصد بهم القحطانيون أبناء يعرب بن قحطان وهو أول من تحدث العربية. ج- العرب المستعربة ويقصد بهم العدنانيون من نسل إسماعيل عليه السلام حيث تحدث هؤلاء العربية بعد تصاهرهم مع جرهم في تهامة الحجاز. وهذا فيه اختلاف كما ذكرنا.



[25] الخزاعي، دعبل بن علي. وصايا الملوك وأبناء الملوك من ولد قحطان بن هود / ص27.

[26] ابن كثير، إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية / ص1578 (الفراغ متعمد للاختصار).

[27] البلاذري، أحمد بن يحيى. فتوح البلدان / ص155.

[28] الصحاري. مصدر سابق / ج2 - ص123.

[29] الزركلي. مصدر سابق / ص1286.


[63] راجع مثلاً ما قاله في تقديمه لكتاب أنساب الأسر الحاكمة في الأحساء لأبي عبد الرحمن الظاهري / ج1 ص11 إلى 13.



التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الأزد أسد الله في الأرض " أخرجه الترمذي وصححه .

  _ رد مع اقتباس
قديم (س 11:38 صباحاً) 02/05/2008, رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
abdahma
عضو مشارك

الصورة الرمزية abdahma




  

 

abdahma غير متواجد حالياً


رد: قبيلة الأزد والمنطقة الشرقية بالمملكة تاريخ عريق من قلم مؤرخ سعودي

مشكور على النقل

واحتاج للتعمق في قرائة النص وقتا اطول



  _ رد مع اقتباس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

عناوين مشابهة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قبيلة بنى شهرفي المنطقة الشرقية تقيم مأدبة عشاء على شرف شيخ الشمل تركى بن شاكر العسبلى فارس بنى شهر عسير التهاني والتبريكات 13 (س 03:14 مساءً) 20/07/2008
الأزد اكبر قبيلة عربية عددا ومجدا ! الغـــــامدي عسير التاريخ 8 (س 02:27 مساءً) 04/04/2008
نسب قبيلة آل زايد الدواسر إلى الأزد بدراني دوسري عسير التاريخ 15 (س 12:26 صباحاً) 21/10/2007
(هاكرز سعودي) يخترق موقع أكبر مزود خدمة انترنت بالمملكة mohmd16 عسير الكمبيوتر والإنترنت 3 (س 08:01 صباحاً) 02/08/2007
تاريخ قبيلة بني مغيد ابن الشرف عسير التاريخ 6 (س 09:23 صباحاً) 06/05/2007

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
أبها ، رجال ألمع

 
روابط هامة بـ منتدى عسير  >> الاتصال بنا - عسير - الأرشيف - الأعلى 

المشاركات والآراء المطروحة بمنتديات عسير لاتعبر عن رأي إدارة الموقع ولا تمثل إلا رأي أصحابها فقط

2020